نحن لا نعرف لهذا أسبابا واقعية ، وإنما يغلب على الظن ويتبادر إلى الذهن أنها فكرة سياسية لاستخدام التشريع الإسلامي في أغراض الولاة ، تأييدا للدولة وكسبا لرضا الأمة الناقمة على وضع النظام القائم ، لانحرافه عن نظم الإسلام ، وابتعاد رجال السلطة عن العمل به .
فكان لجوؤهم إلى تعيين رجال يؤخذ العلم عنهم ، وأحكام التشريع منهم ، أمرا يأملون به رد المؤاخذات ، وصرف الناس عن الالتقاء بمن هو خصم لهم ، ولا يحبون أن يظهر أمره أو ينتشر ذكره .
وإذا أردنا أن نلقي نظرة فاحصة عن أسباب الاختصاص بهؤلاء دون سواهم فإنا نجد ذلك يرجع إلى صفات يتحلى بها هؤلاء أكثر من غيرهم .
فسعيد بن المسيب مثلا كان جل روايته عن صهره أبي هريرة الدوسي ، وكان يأخذ بقضاء عمر وفقهه حتى قيل إنه رواية عمر وحامل علمه ، وكل ذلك لا يعارض أهداف السلطة الحاكمة ، لأنها تهتم إذا ما ذكر علي عليه السّلام ونشر علمه ، أو كان لأهل بيته ذكر في المجتمع العلمي .
وعروة بن الزبير هو راوية أم المؤمنين خالته عائشة ، وكان يتألف الناس بالرواية عنها ، وهو من أعوان الدولة الأموية ، والسائرين في ركابها وقد روى عن أم المؤمنين عائشة أشياء لا يقبلها العقل .
وأما القاسم بن محمد فهو حفيد أبي بكر الصديق وله منزلة علمية ، ومكانة لا تجهل ، وإشادة الدولة بذكره يعود عليها بالنفع ، وإن لم يرتض ذلك أو يقبله هو ، فالسياسة تهدف إلى منافعها قبل كل شيء وهكذا بقية الجماعة من الفقهاء السبعة .
والغرض أن هذا الحصر كان أمرا مقصودا وشيئا مدبرا ، وربما يلمح له شعر عبيد اللّه بن عبد اللّه السابق الذكر في استشهاده بهؤلاء الجماعة إذ يتجلى منه أنه أمر مقرر ، وشئ مشهور .
كما أن ابتعاد الناس عن الفتوى في ذلك الزمان ودفع السائل إلى أحد هؤلاء يستنتج منه الإلزام والتعين .
قال أبو إسحاق : كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل يسأل عن الشيء
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 129
مساهمون: اسد حيدر
ص١٢٩