وهم مسؤولون عن انتكاسهم بعد ذلك النشاط ، وهزيمتهم أمام قوة المحدثين ، ورجوع الأكثرية إلى الجمود ، والتسليم خضوعا للعاطفة ، وامتثالا لأمر السلطة ، يقول المسعودي : لما أفضت الخلافة للمتوكل أمر بترك النظر ، والمباحثة في الجدال ، والترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق ، وأمر الناس بالتسليم والتقليد ، وأمر الشيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنّة والجماعة . وقال الدكتور أحمد أمين : ولما ذهب ضوء المعتزلة ، وقع الناس تحت سلطان المحدثين وأمثالهم من الفقهاء ، وظلوا تحت هذا السلطان من عهد المتوكل إلى ما قبل اليوم بقليل ، فكانت النتيجة جمودا بحتا ، وعلم العالم أن يحفظ الأحاديث ويرويها كما سمعها ويفسّرها تفسيرا لغويا ، ويشرح رجال السند كما شرحه الأقدمون : هذا ثقة ، وهذا ضعيف . من غير نقد عقلي ؛ وفقه الفقيه أن يروي أقوال الأئمة قبله ، فإذا عرضت مسألة جديدة لم تكن ، فقصارى جهد المجتهد أن يخرجها على أصول إمامه ، فهذه طبائع العلماء من عهد المتوكل ، تسليم بالقضاء والقدر ، وتسليم بما كان ويكون ، وتقليد للسابقين ، وتقليد في الفتاوى والآراء ، ومن ثمة تكاد تكون الكتب المؤلّفة في الحديث والفقه والتفسير ، بل والنحو واللغة من عهد المتوكل صورة واحدة ، وإن اختلفت في شيء فاختلاف في الإطناب والإيجاز ، والبسط والاختصار ، أما الترتيب فواحد وأما الأمثلة فواحدة ، وأما العبارة الغامضة في الكتاب الأول فغامضة في الكتاب الأخير ، كلها خضعت لأمر المتوكل بالتسليم والتقليد ، وانعدمت فيها كلها الشخصية . لأن الشخصية عدوة التسليم والتقليد ، ولو بقي الاعتزال لتلون المسلمون بلون آخر أجمل من لونهم الذي تلونوا به « 1 » .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 506
مساهمون: اسد حيدر
ص٥٠٦
وعلى ضوء ما تقدم يجب أن نلحظ الأمور التالية :
1 - إن ذلك الضغط الذي فرضه المعتزلة كان سببا في زيادة النتائج السيئة التي أدت إلى أفول نجمهم وهدم كيانهم . كما وأن المحدثين قد نفعهم ذلك بالتفاف الجماهير حولهم ، حتى اكتسبوا النصر ورجحت كفتهم ، فقابلوا المعتزلة بالمثل ؛ بل زادوا على ما فعل أولئك من الانتقام من خصومهم ، وازدياد نشاطهم إلى إيجاد أمور
هامش
( 1 ) ضحى الإسلام ، أحمد أمين ج 3 ص 203 - 204 .