فهو لهذا الحد وطول ذاك الزمن لم يعرف الفقه ، وكان قول الزبيري سببا لتوجيهه إلى طلب الفقه والحديث ، فقصد لمجالسة مسلم بن خالد الزنجي - مفتي مكة المتوفى سنة 180 ه - وهو أول شيوخ الشّافعي . وروى النووي عن مصعب بن عبد اللّه الزبيري قال : كان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام العرب ، ثم أخذ في الفقه ؛ وكان سبب ذلك : أنّه كان يسير يوما وخلفه كاتب لأبي ، فتمثل الشّافعي ببيت شعر ، فقرعه الكاتب بسوطه ثم قال : مثلك يذهب بمروته ! ! أين أنت من الفقه ، فهزّه ذلك ، فقصد مجالسة مسلم بن خالد الزنجي « 1 » . والذي نستظهره من مجموع الروايات ، أن اتجاه الشافعي لطلب العلم كان في العقد الثالث من عمره ، وعلى رواية ابن كثير أن بقاءه في البادية عشرين سنة . فيكون طلبه للفقه في العقد الرابع ، أي بعد تجاوزه الثلاثين من عمره ، فتكون ملازمته لمسلم بن خالد الزنجي قصيرة جدا . فما يروى عن الحميدي أنّه قال : سمعت خالدا الزنجي وقد مر على الشافعي وهو يفتي ، وهو ابن خمس عشرة سنة ، فقال : يا أبا عبد اللّه افت فقد آن لك أن تفتي ، فإنه لا أصل له ، نظرا لما بين أيدينا من الأدلة التاريخية المصرحة بأن الشّافعي لم يعرف بالفقه إلّا من بعد مدة طويلة ، مع أن الحميدي لم يدرك مثل هذا التاريخ . قال الخطيب البغدادي بعد نقل هذه الحكاية : ( وليس ذلك بمستقيم لأن الحميدي كان يصغر عن إدراك الشافعي وله تلك السن ) « 2 » . ومن الغريب إرسال ذلك إرسال المسلّمات ، وقد جعلوا هذا النقل من المؤيدات لعلم الشّافعي وعلو منزلته ، لأنه كان يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة . وبعضهم يرجع إلى الوراء فيقول : إنه كان يفتي وهو ابن عشر سنين ! وكل ذلك غير صحيح لأن المشهور عن الشّافعي أنّه قدم مكة وهو ابن عشر سنين أو أكثر وتعلّم القرآن فيها ، وانصرف إلى حفظ الأشعار ، ولازم هذيلا ، وكان مقامه في البادية أكثر من عشر سنين ، وقيل عشرين سنة ، وقيل سبع عشرة سنة كما تقدم بيانه . ومها يكن من أمر فإن الشّافعي لم يعرف الفقه والحديث وهو في مكة ، ولكنه
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 174
مساهمون: اسد حيدر
ص١٧٤
هامش
( 1 ) تهذيب الأسماء واللغات ج 1 ص 46 .
( 2 ) تاريخ بغداد ج 2 ص 64 .