طلبه العلم في مكّة :
كان دخول الشّافعي إلى مكة وهو صغير السن ، ولما ترعرع سلمته أمّه إلى الكتّاب فحفظ القرآن الكريم ، وتعلم الكتابة ، وكان حريصا على استماع الحديث ، وكان يكتب على الخزف مرة وعلى الجلود أخرى . وخرج إلى البادية فلازم هذيلا ، وحفظ الأشعار ، وكان يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم ، فرجع إلى مكة ينشد الأشعار ويذكر الآداب والأخبار ، وقد تأثّر بالبداوة واكتسب من هذيل فصاحتهم ، كما يحدّث عن نفسه « 1 » . ويظهر أن مقامه في البادية كان أكثر من عشر سنين ، وفي إحدى الروايات أنّه أقام عشرين سنة « 2 » وفي أخرى سبع عشرة سنة ، كما حدّث هو عن نفسه « 3 » . وفي هذه المدة لم تكن له شهرة علمية ، ولم يتجه لطلب الفكر ولم يعرف به . قال النووي : كان الشّافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر وأيام العرب والأدب ، ثم أخذ في الفقه ، ثم ذكر سبب ذلك « 4 » . وأفاد كثيرا من ملازمته أهل البادية ، وظهر عليه ذلك بقدرته الشعرية وتمكنه من اللغة ومعرفته بفنونها مما لا يخفى في بعض إجاباته وأقواله وما روي عنه من شعره . وقد صرّح الشّافعي بسبب اتجاهه لطلب الفقه فيما يروى عنه أنّه قال - بعد أن ذكر ابتداء تعلّمه للقرآن والكتابة في مكة - : ثم إني خرجت عن مكة فلزمت هذيلا في البادية أتعلم كلامها ، وآخذ طبعها ، وكانت أفصح العرب ، فبقيت فيهم سبع عشرة سنة ، أرحل برحيلهم وأنزل بنزولهم ، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب ، فمرّ بي رجل من الزبيريين من بني عمي ، فقال لي : يا أبا عبد اللّه عزّ عليّ أن لا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه « 5 » .