حجّة المقلّدين :
لقد سرت روح التقليد سريانا عاما بعد أن كان مريد الفقه يشتغل أولا بدراسة الكتاب ، ورواية السنة ، اللذين هما أساس الاستنباط ، أما في هذا الدور - أي دور غلق باب الاجتهاد - فأصبح مريد الفقه يتلقى كتب إمام معيّن ، ويدرس طريقته التي استنبط بها ما دوّنه من الأحكام ، فإذا أتم ذلك صار من العلماء الفقهاء . ومنهم من تعلو به همّته فيؤلّف كتابا في أحكام إمامه . ولا يستجيز الواحد منهم لنفسه أن يقول في مسألة من المسائل قولا يخالف ما أفتى به إمامه . كأن الحق كله نزل على لسان إمامه وقلبه ، حتى قال طليعة فقهاء الحنفية في هذا الدور ، أبو الحسن عبيد اللّه الكرخي : كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤوّلة أو منسوخة . وكل حديث كذلك فهو مؤوّل أو منسوخ . وبمثل هذا أحكموا دونهم أرتاج باب الاختيار . والتزم كل منهم مذهبا معينا لا يتعدّاه . ويبذل كل ما أوتي من مقدرة في نصرة ذلك المذهب جملة وتفصيلا . مع أنه لا يخطر ببال هؤلاء الفحول ثبوت العصمة لأي إمام في اجتهاده ، وقد كان الأئمة أنفسهم يعترفون بجواز الخطأ عليهم ، وأن تكون هناك سنّة لم يطلعوا عليها « 1 » . وعلى هذا سارت قافلة الزمن ، ولم يكن هناك طريق لرفع ذلك التحجير . وإيقاف تسريات تلك الروح . ومن يحاول الاجتهاد والاتصال بالأدلة الشرعية يكون نصيبه النكال والتعذيب ، ويرمى بالبدعة والضلالة . وقد وقع ذلك لكثير من العلماء . وعلى أي حال فقد احتج القائلون بلزوم التقليد بأمور :