موقفه من الحركات الفكرية :
هذا من ناحية الموقف السياسي . أما ما يتصل بالحياة الاجتماعية والعقائد الدينية فكان الأمر أدهى وأمر ، فقد صحبت تلك العاصفة السياسية تيارات فكرية جارفة ، وهزات إلحادية قوية ، وتطور غريب في النزعات والاتجاهات أقلق بال حماة الشريعة والذائدين عن حوضها ، وحدثت عصبيات جاهلية ذميمة ، وقد نهض الإمام الصادق لمقارعة أهل الباطل ، وباحث الفلاسفة والدهريين ، وأهل الكلام الجدليين ، الذين تصدوا لإفساد معتقدات الناس فأبطل بنور حكمته مقالاتهم الفاسدة وسفسطتهم الفارغة « 1 » ، فنبههم عن غفلتهم وأيقظهم من رقدتهم ، وأوضح لهم اعوجاج مذاهبهم والتواء سبلهم ، ودعاهم إلى كلمة الحق ، وجادلهم بالتي هي أحسن ، وناقشهم بالبرهان الساطع وقد احتفظ التاريخ بكثير من تلك المناظرات ، كمناظرته في التوحيد مع الزنديق الذي قدم من مصر ، واسمه عبد الملك ليناظر الإمام فناظره حتى آمن قلبه ، واطمأنت نفسه بعد الزيغ والارتياب ، وطلب من الإمام تعليمه وإرشاده وقال : اجعلني من تلاميذك ، فقال الصادق لهشام : خذه إليك فعلمه « 2 » . وجاء إليه زنديق آخر وسأله عن أشياء منها أنه قال له : كيف يعبد اللّه ولم ير ؟ فقال أبو عبد اللّه : رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ،