أسنان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وشعرات من شعره ونعاله ، وبقية من العلم النبوي ، وإناء من حديد ، وجبة الإمام أبي حنيفة « 1 » . وبهذا الشكل سارت عوامل انتشار المذاهب مع السياسة جنبا لجنب ، إذ الرغبة فيها منوطة بالقضاة ورغبة السلطة ، حتى كثر التحول من مذهب إلى مذهب تقربا للسلطان وطلبا لرفده ، وتحول كثير من الشافعية إلى الحنفية لأجل الدنيا ، وذلك أن الأمير بلبغا بن عبد اللّه الخاصكي الناصري الأمير الكبير صاحب النفوذ والصولة كان يتعصب لمذهب أبي حنيفة ، ويعطي لمن تحول إليه العطاء الجزيل ، ورتب الجامكيات الزائدة ، وحاول في آخر عمره أن يجلس الحنفي فوق الشافعي « 2 » . ولما انتقل أبو البركات الحنفي إلى مذهب الحنبلي فآذاه الحنفية فانتقل إلى مذهب الشافعي فقال المؤيد التكريتي في هجائه :
وهذا أبو بكر البغدادي الحنبلي تحول شافعيا لأجل الدنيا ، وولي القضاء ، وكان أبو المظفر يوسف بن قرغلي سبط ابن الجوزي حنبليا نقله الملك المعظم إلى مذهب أبي حنيفة « 4 » وكثير غيرهم . وخلاصة القول أن تلك الوسائل المشجعة للمذاهب الأربعة دعت الناس إلى الرغبة فيها والإعراض عما سواها ، ودعت أكثر الفقهاء الذين لهم أهلية الاستنباط أن يجمدوا على تقليد السلف وتعطيل موهبة الاجتهاد . قال الشيخ أبو زرعة : قلت مرة لشيخنا البلقيني ما يقصر بالشيخ تقي الدين بن السبكي عن رتبة الاجتهاد وقد استكمل الآلة وكيف يقلد ؟ ولم أذكره هو استحياء منه ولما أريد أن أرتب على ذلك .