فقال : يا أيها الناس هذه بعثها اللّه لكم ، فاشكروا اللّه على تفضّله عليكم ، وقوموا إلى منازلكم ومقارّكم ، فإنها مسامتة لكم ولرؤوسكم ، ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا إلى مقاركم ، ثم يأتيكم من الخير بما يليق بكرم اللّه جل جلاله ، ونزل عن المنبر وانصرف الناس ، فما زالت السحابة ممسكة حتى قربوا من منازلهم ، ثم جاءت بوابل المطر فملأت الأودية والحياض والغدران والفلوات ، فجعل الناس يقولون : هنيئا لولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كرامات اللّه وذكر الحديث إلى أن قال : فابتدأ هذا الحاجب المتضمن للوضع من الرضا عليه السّلام ، فقال له : إن الناس قد أكثروا فيك الحكايات وأسرفوا في وصفك بما أرى أنك إن وقفت عليه برئت إليهم منه ، فأول ذلك منه ، وقد دعوت اللّه في المطر المعتاد فجاء فجعلوه آية معجزة لك ، أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا ، إلى أن قال : كأنك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم عليه السّلام لما أخذ رؤوس الطير بيده ، ودعا أعضاءها التي كان فرّقها على الشعاب ، فأتته سعيا وتركّبن على الرؤوس وخفقن وطرن بإذن اللّه تعالى ، فإن كنت صادقا فيما توهم فأحي هذين وسلطهما عليّ فإن ذلك يكون حينئذ آية معجزة ، فأما المطر المعتاد مجيئه فلست أنت أحق بأن يكون جاء بدعائك من غيرك الذي دعا كما دعوت ، وكان الحاجب أشار إلى أسدين مصورين على مسند المأمون ، الذي كان مستندا إليه ، وكانا متقابلين على المسند ، فغضب علي بن موسى الرضا عليه السّلام وصاح بالصورتين : دونكما خذا الفاجر فافترساه ولا تبقيا له عينا ولا أثرا ، فوثبت الصورتان وقد عادتا أسدين فتناولا الحاجب ورضّاه وعضاه ، وهشماه وأكلاه ولحسا دمه ، والقوم ينظرون متحيرين ممّا يبصرون ، فلما فرغا منه أقبلا على الرضا عليه السّلام وقالا :
يا وليّ اللّه في أرضه ما ذا تأمرنا أن نفعل بهذا نفعل به ما فعلنا بهذا ؟ . يشيران إلى المأمون . فغشي على المأمون مما سمع منهما ، فقال الرضا عليه السّلام : قفا ، فوقفا ، ثم قال الرضا عليه السّلام : صبوا عليه ماء ورد وطيّبوه ، ففعل ذلك ، وعاد الأسدان يقولان أتأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه ؟ فقال : لا ، فإن للّه فيه تدبيرا هو ممضيه ، فقالا : فما ذا تأمرنا ؟ فقال : عودا إلى مقرّكما كما كنتما ، فعادا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا ، فقال المأمون : الحمد للّه الذي كفاني شر حميد بن مهران يعني الرجل المفترس ، ثم قال للرضا عليه السّلام : يا ابن رسول اللّه هذا الأمر لجدكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ثم لكم ولو شئت لنزلت عنه لك ؟ فقال الرضا عليه السّلام : لو شئت لما ناظرتك ولم أسألك فإن اللّه عز وجل قد أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين ، إلا جهّال بني آدم فإنهم وإن خسروا حظوظهم فللّه
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات — صفحة 320
مساهمون: الحر العاملي
ص٣٢٠