تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
ونعيمها خالد ، بينما متاع الدنيا إلى فناء وكما كانت صور العذاب ، للتخويف ، وإثارة مشاعر الرهبة ، كذلك صور النعيم تقابلها لبعث مشاعر الرجاء وذلك لإقامة التوازن بين مشاعر الخوف والرجاء ، فلا يطغى أحدهما على الآخر . والتصوير الحسي للنعيم يلامس مشاعر الرجاء في النفس ، ويحركها ، ويثيرها ، لتقوى في هذا الاتجاه ، يقول تعالى :
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ، لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ، وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ، وَحُورٌ عِينٌ ، كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
الواقعة : 15 - 24 . ولكنّ التصوير الحسي للنعيم يمتزج بالنعيم المعنوي ، كقوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
عبس : 38 - 39 ،
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
مريم : 96 . وصورة الود بين الله وعباده توحي بأروع أنواع المتاع الأخروي . وهكذا نلاحظ التنويع في تصوير النعيم ليشمل النعيم الحسي والمعنوي معا ، لأنّ الإنسان تعتريه حالات تستهويه فيها الحسيات ، وحالات يميل فيها إلى المعنويات ، فكانت الصورة الفنية تلبي هذه الحالات الإنسانية أو هذه الأشواق والآمال . وقد اتّخذت الصورة منهج التوازن في بعث مشاعر الخوف والرجاء في النفس الإنسانية من خلال المشاهد المتقابلة للنعيم والعذاب . ويتكرّر هذا الأسلوب التصويري في بعث مشاعر الخوف والرجاء في جميع موضوعات القرآن حتى تتعمق المعاني الدينية في أعماق النفس ، فتصبح قوة داخلية ، وطاقة نفسية ، توجّه الإنسان نحو عمل الخير ، واجتناب الشر . وحين تتوازن مشاعر الخوف والرجاء في النفس الإنسانية يكون الإنسان في الاتجاه الصحيح في الحياة . وصور الإنفاق المختلفة التي وقفنا عندها في فصل الأمثال ، تهدف إلى الترغيب في الإنفاق والتحذير من البخل والإمساك . والترغيب والترهيب أسلوبان تربويان ، لتهذيب النفوس ، وصقلها .