تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ، وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
الحج : 19 - 22 . وقد يغلب العذاب المعنوي في الصورة على العذاب الحسي
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ . . .
الحج : 1 - 2 . وقد ترتقي الصورة إلى نوع خاص من العذاب المعنوي كقوله تعالى :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ
أل عمران : 77 . هذا التنويع في تصوير العذاب يقصد به إثارة مشاعر الخوف بدرجاته ، ومستوياته المتعددة ، فالناس يتأثّرون عموما عن طريق الحواس ، لذلك كان التصوير الحسي للعذاب ، لتحقيق التخويف منه ، ثم هناك التأثر بالصور المعنوية أيضا وهي لا تقل في التخويف عن مثيلاتها من الصور الحسية . فالتنويع في الصور جاء ليشمل جميع المؤثّرات في النفس بمستوياتها ، ودرجاتها . ولكنّ الصورة القرآنية لا تكتفي بالتخويف ، وإنما تعرض صورا مقابلة للنعيم ، لبعث مشاعر الأمل والرجاء وبذلك تقيم الصورة ، المشاعر المتوازنة بين الخوف والرجاء ، أو الترغيب والترهيب في داخل النفس الإنسانية . لذلك ، نلاحظ تقابل صور النعيم والعذاب في السياق الواحد . وكما قلنا في مشاعر الخوف نقول في مشاعر الرجاء أيضا ، فالصورة تضع هذه المشاعر في الاتجاه الصحيح فحين تعرض الصورة للمتاع الدنيوي ، لا ترفضه أو تنفر منه ، وإنما تدعو إلى الاقتصاد فيه ، وعدم الانغماس في لذات الدنيا الزائلة ، ونسيان الآخرة ، فتعرض عليه مشاهد من نعيم الآخرة الباقي حتى يقابل الإنسان بين المتاع الفاني ، والمتاع الباقي ، يقول الله تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ، قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ . .
آل عمران : 14 - 15 . فصورة متاع الدنيا ، تقابلها صورة المتاع في الآخرة . وذلك لتوجيه آمال الإنسان نحو متاع الآخرة الباقي ، فهو أحقّ أن تتجه إليه مشاعر الأمل والرجاء ، لأنّ متاع الآخرة باق ،
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 423 | عبد السلام احمد الراغب