تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
ويمكن القول إن كل سورة من سور القرآن ، تشكّل صورة كلية لها معالمها ، وفروعها في بقية السورة بحيث يمكن إرجاع كلّ الصور المفردة والسياقية إليها ، كما بيّنا في فصل أنواع الصورة القرآنية . فالصورة الكلية في سورة الواقعة هي اليوم الآخر ، وقد بدأت الصورة الكلية واضحة منذ المطلع بذكر صفة من صفاتها ، ثم تبدأ هذه الصورة الكلية بالتفرّع إلى صور جزئية عن يوم القيامة وما فيه من أهوال وتمييز بين نماذج البشر ، السابقين ، وأصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، مع صور حسية مفصّلة لكل نموذج حتى يرى نهايته مرسومة فيها ، وكأن الدنيا هي الماضية ، والآخرة هي الواقعة المشاهدة وتأتي الصور الأخرى كدلائل على وقوع البعث بعد الموت ، من خلال عرض صور تدل على قدرة الله ، في خلق الإنسان ، وإنبات الزرع ، وإنزال الماء العذب ، وإخراج النار من الشجر الأخضر ، وكلها صور تعرض كدلائل على قدرة الله على البعث بعد الإماتة ، ثم يأتي مشهد الاحتضار ، حين تبلغ الروح الحلقوم لتصوير عجز الإنسان ، أمام القدرة الإلهية ، ويقف جميع الناس عاجزين عن ردّ الروح إليه بعد خروجها إلى بارئها . ثم تختم السورة بالتسبيح ، بعد تأكيد خبر يوم القيامة ، وبذلك يرتبط الختام بالمطلع ، كما ترتبط الصور كلّها به ، بحيث تشكّل مجموع الصور « صورة كلية » لليوم الآخر ، صورة مميزة المعالم والمشاهد . في موضوعها ، ومعانيها ، وإيقاعها ، وألوانها . إنّ هذه الوحدة الفنية في التصوير والتعبير ، سرّ من أسرار الإعجاز في القرآن ، لأنّ هذا القرآن لم ينزل دفعة واحدة على رسول الله ، بل نزل منجّما ، على امتداد ثلاث وعشرين سنة تقريبا ونجد هذه الوحدة الفنية للصورة على الرغم من اختلاف زمان النزول ومكانه ، فهذا دليل على أن هذا القرآن الكريم من عند الله يضاف إلى الدلائل الأخرى . ثم إننا إذا جمعنا الآيات التي هي موضوع واحد ، وقد ذكرت في سور متعددة لرأينا أيضا أنّها تكوّن صورة واحدة ، متكاملة ، تتسم بالوحدة ، وهذه أيضا من دلائل الإعجاز تضاف إلى الصورة الكلية التامة في السورة الواحدة « 58 » . ثم إنّ هذه الصورة الكلية في كل سورة ، مشدودة إلى الصورة المركزية في القرآن كلّه وهي صورة قدرة الخالق ، التي هي مصدر كلّ شيء ، وإليها يرجع كلّ شيء ، وبذلك تتحقّق
هامش
( 58 ) الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم : د . محمد محمود حجازي . ص 54 .