تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
لَشَتَّى ، فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى . . .
الليل : 1 - 10 . ويعتمد المطلع هنا على الصورة البديعية القائمة على التضاد بين الليل والنهار ، وما فيهما من لونين مختلفين الأبيض والأسود ، وهذا التضاد في المطلع يمتد إل بقية الصور الأخرى بكل مشاهدها وأجزائها . فينتقل التضاد من الصورة الكونية في الليل والنهار إلى الصورة الإنسانية في الذكر والأنثى ثم يمتد التضاد في صورة الأفعال الإنسانية ، فهناك صورة المنفق ، وصورة البخيل ، وما يترتب على الصورتين من جزاء مختلف أيضا . ثم تمتد ثنائية التضاد إلى الآخرة والأولى ، وما بين الآخرة والدنيا من اختلاف ، ثم يبدأ تفصيل الاختلاف بين الآخرة والدنيا من حيث أفعال البشر فهناك الأشقى والأتقى . ونلاحظ نظام العلاقات بين المطلع والصور الأخرى ، فالعلاقة المتضادة بين الأبيض والأسود تمتد إلى الذكر والأنثى ، ثم إلى الأشقى والأتقى ، ثم إلى الجنة والنار . فالوحدة الفنية بارزة بوضوح هنا ابتداء من المطلع وحتى الختام . وبين المطلع والخاتمة علاقات ووشائج وكما يترابط شريط الصور المعروض ، يترابط أيضا ألفاظا وجملا وإيقاعا وظلالا وحركة وألوانا ، حتى يتكامل رسم الصورة البديعية القائمة على التضاد لإظهار الفروق بين طرفيها . ومن خلال هذه الثنائية التصويرية والتعبيرية ، ترتسم صورة الإنسان ، واضحة المعالم بنموذجيه الأشقى والأتقى ، والفوارق بين النموذجين هي الفوارق بين اللونين في المطلع « الليل والنهار » وقد تجلت الوحدة الفنية للصورة في وحدة الموضوع ، ووحدة الأثر النفسي ، ووحدة الإيقاع الهادئ الرضي المنسجم مع تصوير الثنائية في الألوان ، والإنسان والكون ، والأفعال . ووحدة الصورة نتلمّسها أيضا في القطبين المتنافرين من الأبيض والأسود ، اللذين تفرّعا إلى أجزاء متنافرة ، كل جزء يرجع إلى مصدره ، فيتآلف معه ويتحد ، ويتنافر مع الجزء الآخر ويبتعد وتمتد الأجزاء في الزمان والمكان إلى اليوم الآخر ، ويبقى التنافر بين القطبين قائما ، وذلك حتى تحقق الصورة غرضها الديني من خلال هذا الغرض الفني المقصود أيضا . وتختم الصورة بنموذج الأتقى ، لأنه النموذج الذي يراد إبرازه في التصوير ليكون قدوة للاحتذاء والاقتداء .