تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
ليكون أبلغ أثرا في النفوس . فهذه السفينة تتحرك في البحر هادئة ، بريح طيبة ندية رخية ، تدفعها بهدوء وأمان ، وكأنّ هذه السفينة هي الحياة ، رمز إليها بالسفينة ، والبشر هم ركّابها ، يعيشون على ظهرها برخاء وأمان أيضا ، وهم فرحون بها ، سعيدون بهذه الأجواء الهادئة الآمنة ، ثم تحدث المفاجأة غير المتوقعة ، فتهبّ العاصفة المدمّرة ، فتضطرب حركتها ، ويضطرب ركابها خائفين ، والأمواج تعلو وتهبط لإغراقها بمن عليها ، في هذه اللحظات ، توجّه الناس بالدعاء مخلصين ، وانكشفت الفطرة على حقيقتها ، من تحت الأوهام والأهواء ، فاستجاب الله لهم ، وهدأت العاصفة ، وهدأت السفينة لتسير في حركتها الطبيعية ، ولكنّ هؤلاء حين استقروا على الأرض نسوا ما مرّ بهم من ضيق وهم على ظهر السفينة ، وما عاهدوا عليه الله من الشكر إن أنجاهم . . . فالمشهد هنا يجسّم المشاعر الإنسانية لهذا النموذج ، في حالتي الشدة والرخاء ، لتتضح سمات هذا الصنف من الناس ، في تعامله مع ربه بشكل متناقض ، لكنّ التهديد يأتي في أعقاب التصوير بأنّ هذه النماذج من البشر ، لن تفلت من الحساب عمّا تعمله في الحياة . وأحيانا يلمس التصوير الفني طبيعة الإنسان ، بكلمات قليلة ، فيرتسم النموذج واضح القسمات والصفات كقوله تعالى :
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
الأنبياء : 37 . وتتمثّل هذه العجلة فيه في سرعة النسيان للضرّ الذي أصابه يقول تعالى :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
هود : 10 . فهو قاصر عجول ، سريع في نسيان أيام الشدة والضر ، قاصر في فهم النعمة التي لا تدوم ، لذلك فإنه فرح ، متباه بها ، لا يدرك أنها إلى زوال . وبكلمات قلائل أخرى تصور حقيقة الجنس البشري أيضا في نموذج مكرّر :
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
المعارج : 19 - 21 . وترسم الصورة نموذجا لكثير من الناس ، هذا النموذج يحب الحمد والثناء على شيء لم يفعله
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ
آل عمران : 188 . وفريق آخر من الناس يؤثر التقليد على التفكير ، وهذا نموذج مكرّر نراه على الدوام ، قال تعالى :
قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
المائدة : 104 ،
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا