تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وهكذا نلاحظ أن شخصية يوسف مرسومة بجانبيها الحسي والمعنوي معا ، فاكتملت أبعاد شخصيته عقلا ، وجسما ، وعاطفة ، كما رأينا في تصوير أحداث قصته . وبالنسية لشخصية المرأة ، فإن التصوير الفني ، لا يعنى بالصفات الحسية لها ، لأنها لا تخدم الغرض الديني من القصة ، لذلك ، لا نجد الاهتمام أيضا بذكر أسماء النساء باستثناء مريم ، لأن ذكرها ينسجم مع الغرض الديني من القصة ، فهي لا تذكر لذاتها بل لما تحمله من حقائق دينية ، ممثّلة في دورها في قصة عيسى . وبقية النساء يذكرن بأسماء أزواجهن مثل امرأة نوح ، وامرأة لوط ، وامرأة عمران ، وامرأة فرعون وإذا كانت المرأة عذراء ، اكتفي بذكر كلمة « امرأة » دون إضافة ، مثل بلقيس ملكة سبأ عبّر عنها بقوله :
امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ
النمل : 23 . وكذلك في قصة موسى في قرية مدين
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
القصص : 23 فمريم يصرح باسمها ، لدفع التصورات الباطلة عن ولادة عيسى ، والتأكيد على بشريته ، بولادته من مريم من غير أب . كمعجزة آدم من غير أب ولا أم . وشخصية المرأة في القصة القرآنية ثانوية ، وليست أساسية فيها ، ولكن القرآن يعنى بتصوير الأمومة من خلالها ، وذلك واضح في موقف امرأة فرعون من موسى . يقول تعالى في ذلك :
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
القصص : 9 . والنساء أيضا أنواع ، فهناك المرأة المندفعة المنحرفة ، وهناك المرأة ذات الخفر والحياء . فامرأة العزيز تمثّل المرأة المندفعة ، التي تندفع وراء غرائزها ، يقول الله تعالى فيها :
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ . . .
يوسف : 23 ، وهي أيضا ماكرة محتالة ، يقول تعالى في ذلك :
وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ . . .
يوسف : 25 . كما يلاحظ مكرها واندفاعها وراء غرائزها ، حين جمعت النسوة عندها ، وأمرت يوسف أن يخرج عليهن ، لتثبت لهنّ أنها معذورة بحبه ، فتحوّلت العاذلات لها إلى عواذر لتصرفها ، وحين رأت إعجابهن به أيضا ، صرّحت بحبها له ، ورغبتها فيه ، وأتبعت ذلك بالتهديد . . . ولكنها أيضا حين عرفت يوسف وما يتسم به من نبوة واستقامة وتقوى ، اعترفت بذنبها