تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
تظهر عجائب قدرة الله في مخلوقاته ، وتلفت انتباه الإنسان إلى أنه ليس وحده في هذا الكون ، فهناك مخلوقات غيره ، يراها ولها خصائصها وتجمعاتها ولغاتها ، وكلها منقادة لله ، وطائعة له . فهناك أيضا عالم النحل العجيب ، في نظامه وخضوعه ، وإنتاجه للشراب اللذيذ على الرغم من جسمه الهزيل . يقول تعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ، ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
النحل : 68 - 69 . وقد تعتمد الصورة على مشاهد الطبيعة في ضرب الأمثال ضرب المثل بالذباب على عجز الإنسان وبالكلب اللاهث ، على الإنسان الذي يضيق بحمل الأمانة ، فيلهث حين يلتزم بها ، ويلهث أيضا حين ينسلخ منها ، كما تقدم معنا في فصل ( الأمثال القرآنية ) . وهناك إشارة إلى الجراد والقمّل في سياق تعذيب بعض الأمم الماضية بهما . كما أنّ بعض أسماء السور القرآنية مستمدة من الطبيعة المرئية مثل البقرة ، والأنعام ، والنمل ، والنحل ، والعنكبوت ، عليهما السّلام والفيل . وهذه الأسماء تستدعي صورها الذهنية بمجرد ذكرها والنطق بها . وهكذا رأينا حشدا من المشاهد الطبيعية الصامتة والصائتة في هذا الفصل ، وكلّها معروضة للدلالة على الألوهية ، والوحدانية ، وآثار الربوبية في الكون والحياة والإنسان . كما أن المشاهد المصورة ، مترابطة ومتفاعلة في تحقيق الغرض الديني ، فالسماء فيها النجوم ، والقمر ، والشمس ، والكواكب ، وتتناسق هذه المشاهد فيما بينها في السياق القرآني ، وتعرض ضمن نظام العلاقات بين الصور كما رأينا في ترابط صورة الشمس والقمر ، ثم مشاهد الأرض ، وما فيها من نبات وزروع وثمار وأشجار مترابطة ومتناسقة ، ومشاهد الأرض مرتبطة بغيث السماء دائما فكما أنها بحاجة إلى السماء ماديا ، لقيام الحياة عليها ، كذلك هي بحاجة إلى وحي السماء ، معنويا . . . وهكذا تتناسق المشاهد فيما بينها ، وتترابط ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية لأداء الحقائق الدينية .