تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
لم يدرك فحواه إلا بتقريبه عن طريق الشبيه والنظير له . وبذلك تجتمع دلالات المثل القرآني في الشبيه ، والنظير ، والوصف ، وفي الغرابة والسيرورة ، والمثال أو النموذج . ويمتاز تصوير الأمثال في القرآن الكريم عن غيره من الأمثال الأدبية بأنه لم ينقل من حادثة معيّنة ، أو متخيّلة ، وإنما هو أسلوب قرآني مبتكر في أدائه ، وطريقته ، وغايته ، فهو لا يحذو حذو غيره ولا يستقي من مورد سابق عليه كما هو معروف في الأمثال العربية بل هو كما يقول منير القاضي : « نوع آخر أسماه القرآن مثلا من قبل أن تعرف علوم الأدب المثل ، ومن قبل أن تسمي به نوعا من الكلام المنثور ، وتضعه مصطلحا له ، بل من قبل أن يعرف الأدباء المثل بتعريفهم » « 12 » . ويعتمد تصوير الأمثال على التصريح بلفظ المثل ، مفردا أو مجموعا ، وهو الاستعمال الشائع في الأسلوب القرآني ، وقد يقدّر لفظ المثل ، ويدلّ عليه حرف العطف ، كقوله تعالى :
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ
البقرة : 19 ، أو قد يفهم من السياق كقوله تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
الأعراف : 58 . ولكن الأغلب في تصوير الأمثال ، التصريح بلفظ المثل ، وهذا ما سأعتمده في دراستي هذه . أما تقسيم الزركشي المثل القرآني إلى صريح وكامن ، فليس تقسيما دقيقا ، لأننا لو اعتبرنا ذلك ورحنا نستخرج الأمثال الكامنة ، لاحتجنا إلى التأويل من ناحية ، ولأن القرآن الكريم يصلح كلّه حكما وأمثالا ، مما يبعدنا عن دلالة المثل القرآني ، والغاية من ضربه للناس من ناحية أخرى وهذا ما وقع فيه الدكتور محمد جابر الفياض « 13 » ، والأستاذ عبد الرحمن حبنكة « 14 » ، في دراستهما للأمثال القرآنية وسيرهما على تقسيمها إلى صريحة ، وكامنة ، واضطرارهما إلى التأويل . ولا شكّ في أن الأمثال من أكثر التعابير شيوعا على ألسنة الناس ، وأعمّها توضيحا للمعاني ، وأعمقها تأثيرا في النفوس ، لأنها تمتاز بالإيجاز وإصابة المعنى ، وجودة التصوير . وقد تحدّث عبد القاهر الجرجاني عن تفضيل العقلاء لها على سائر الأساليب ، موضحا
هامش
( 12 ) الصورة الفنية في المثل القرآني : الدكتور محمد حسين علي الصغير . ص 68 . ( 13 ) الأمثال في القرآن الكريم : د . محمد جابر الفياض . ص 207 - 215 . ( 14 ) الأمثال القرآنية : ص 104 وما بعدها .