تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
الكلمة تحتمل دلالات عدة منها الشبه والنظير ، والتمثل والتمثيل والمثال ، كما تحتمل معنى التثبيت والاعتماد والوضع والذكر والسيرورة « 17 » . ويبدو لي أن كلمة ضرب الواردة في تصوير الأمثال القرآنية ، تحتمل كل تلك المعاني التي ذكرها العلماء والمفسرون والبلاغيون ، وهذا من أسرار التعبير القرآني إذ اللفظة الواحدة تحتمل عدة دلالات معنوية . وقد تكون هذه اللفظة من قبيل إثارة الذهن ، وتنبيهه إلى أمر ذي شأن ، فهي بهذا المعنى وردت لتهيئة الأذهان لاستقبال تصوير المثل القرآني . وتصوير الأمثال القرآنية يسعى إلى تحقيق أغراض دينية عدّة ، منها تقريب صورة الممثل له إلى ذهن المخاطب ، أو لإقناعه بفكرة من الأفكار الدينية ، أو لإقامة الحجة العقلية ، أو للترغيب بأمر محمود ، عن طريق تزيينه وتحسينه ، أو للتخويف والتنفير من أمر مذموم ، عن طريق تقبيحه وذمّه ، أو لتعظيم الممثل له ومدحه ، أو لتحقير الممثل له وذمّه وتوبيخه . وقد يحتوي تصوير المثل القرآني على أكثر من غرض ديني واحد ، فقد يرد تصوير المثل بغرض تقريب صورة الممثل له إلى جانب أغراض أخرى مثل الإقناع والترغيب أو الترهيب . فتصوير الأمثال القرآنية يحقق أغراضا عدّة ، قد تجتمع هذه الأغراض كلّها في المثل الواحد ، أو بعضها . وعدم إدراكنا لها ، لا يعني عدم وجودها بل لأننا لم ندرك بعد إيحاءات اللفظ القرآني المتعددة . والأمثال القرآنية ، تعبّر عن القضايا الإنسانية العامة ، التي لا تختلف من جيل لآخر ، أو من مكان لآخر ، كما تعبّر عن قضايا فكرية أساسية في حياة الإنسان ، كقضية العقيدة ، وقضية البعث بعد الموت ، وغاية الوجود الإنساني وغير ذلك من القضايا الإسلامية . لذلك كتب للأمثال المصوّرة الخلود ، بخلود القرآن الكريم ، وبقي تأثيرها في القلوب قويا وفعّالا إلى يومنا هذا ، فهي خاطبت الناس وقت نزول القرآن ، بضرب الأمثال لهم ، على طريقة الأساليب العربية في ضرب الأمثال لسيرورتها على الألسنة ، وما زالت هذه الأمثال المصوّرة تخاطب الإنسان لأنها أمثال حيّة باقية متجددة ، تعبّر عن قضايا الإنسان والحياة والوجود .
هامش
( 17 ) انظر الصورة الفنية في المثل القرآني : ص 73 - 78 ، وما قاله العلماء في دلالتها .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 160 | عبد السلام احمد الراغب