تثبت أنهم لا ينظرون إلى آيات الله المبثوثة أمامهم ، بسبب هذه الحواجز والسدود ، التي أقاموها حولهم ، حتى لا يروا الحقّ الذي جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم .
ويمضي تصويرهم في التعبير القرآني ، لرسم صورة أخيرة لهم ، وهي صورة الختم على القلوب والأسماع والأبصار ، يقول الله تعالى فيهم :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
البقرة : 7 .
فهم قد سدّوا كل المنافذ ، وأغلقوها بإحكام وأختام حتى لا ينفذ النور إليها .
وتتكرر صورة الختم هذه ، بصورة أخرى تماثلها وهي الطبع على القلوب ، فالطبع على القلوب هو الختم عليها « 18 » .
وهذه الصورة كثيرة أيضا في القرآن الكريم ، للإيحاء بأنه لا جدوى من دعوتهم بعد طبع القلوب وختمها يقول الله تعالى :
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
التوبة : 93 ،
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
النحل : 108 ،
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ، وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
محمد : 16 ،
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
الأعراف : 100 ،
كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
يونس : 74 ، وغير ذلك من الآيات .
وإذا كانت الصورة هنا تعبّر عن شدة إغلاق منافذ الإدراك والمعرفة بالختم والطبع ، فإنها تعبر في سياق آخر عن شدة العذاب ، بوصفه بالغلظ ، لتجسيمه ، والإيحاء بشدته وعنفه كقوله تعالى :
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
هود : 58 ،
وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ
إبراهيم : 17 ،
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ
لقمان : 24 ،
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
فصلت : 50 .
كما وصف أيضا الميثاق بالغلظ ، لتجسيمه في صورة محسوسة ذات سماكة وغلظ ، للإيحاء بقوته وشدته كقوة الشيء المحسوس ذي السماكة . قال تعالى :
وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
النساء : 21 ،
وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
النساء : 154 ،
وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
الأحزاب : 7 .
ويعبّر عن الشدة والهلاك بصورة العقم الحسية ، في سياق التدمير والموت ، كقوله :
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ، ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ
الذاريات : 41 - 42 .
هامش
( 18 ) صفوة التفاسير : الدكتور محمد علي الصابوني . 1 / 317 .