تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
وصورة العقم صورة معروفة ، ولكنها كريهة منفّرة ، لا يميل إليها الإنسان ، ولا يحبّها ، وهي هنا تعبّر عن شدة الدمار والهلاك بقصد التهديد والوعيد ، فهذه الريح التي تشدّ الأبصار إليها في العادة ، لأنها تحمل السحب والأمطار والخير والرزق ، هي ريح عقيم ، بخلاف ما يأملون ويتوقعون ، فهي عقيم لا تحمل الحياة والأمطار بل تحمل الموت والدمار ، وتتفاعل صورة العقم مع صورة الرميم في السياق هنا للإيحاء بانتهاء حياتهم ، وتدمير مساكنهم ، ويعبّر عن شدة التدمير بالميت الذي رمّ وتفتت عظامه فأصبح رميما وهكذا تتناسق صورة الميت الرميم ، بصورة الريح العقيم للدلالة على قوة التدمير وشموله كل شيء . ويعبّر عن اليوم الآخر باليوم العقيم يقول الله تعالى :
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
الحج : 55 ، وتصوير اليوم هنا بالعقيم ، يوحي بأنه يوم لا يعقبه يوم بعده وبذلك تكون الصورة الحسية هذه دالة على معنى اليوم الآخر « 19 » . وما فيه من العذاب الدائم الذي لا يرجى منه خلاص أو مخرج ، وبذلك توحي صورة العقم انقطاع أملهم في النجاة من العذاب العقيم . وهكذا تترابط الصورة في داخل السياق ضمن نظام العلاقات ، لأداء المعاني الدينية المطلوبة . وتعبّر الصورة عن الصلة الوثيقة بين الكتب السماوية والقرآن الكريم بتصويرها « بين يديه » يقول الله تعالى :
فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
البقرة : 97 ،
ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
يوسف : 111 . وقد تعبّر صورة
بَيْنَ يَدَيْهِ
على نزول المطر كقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
الأعراف : 57 ، أو للدلالة على قرب العذاب كقوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
سبأ : 46 . وتضاف إليها لفظة
وَلا مِنْ خَلْفِهِ
للتعبير عن الإحاطة والشمول كقوله تعالى :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
فصلت : 42 ، وهنا تفيد الصورة شمول النفي وعمومه على الكتاب كلّه .
هامش
( 19 ) الكشاف : 3 / 19 .