إذ الحروف إن تكن محرّكة * يشركها مخرج أصل الحركة
أي مخرج الواو مخرج الألف * والياء في مخرجها الذي عرف
فإن تر القارئ لن تنطبقا * شفاهه بالضم كن محقّقا
بأنه منتقص ما ضمّا * والواجب النّطق به متمّا
كذاك ذو فتح وذو كسر يجب * إتمام كلّ منهما فافهم تصب
فالنقص في هذا لدى التأمّل * أقبح في المعنى من اللحن الجلي
إذ هو تغيير لذات الحرف * واللحن تغيير له في الوصف
يعني أن الحروف تنقص بنقص الحركات ، فيكون حينئذ أقبح من اللحن الجلي ؛ لأن النقص من الذوات أقبح من ترك الصفات ، فتفطّن رحمك اللّه ، واجتهد في ضبط هذه القواعد المقرّرة وأحكامها المضبوطة المحرّرة ؛ لتفوز بالسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة ؛ فإنّ تعلمك تجويد كتاب اللّه في الدنيا أيسر من عقوبتك على تركه يوم القيامة ؛ فإنّ أمر الحساب عسير ، والناقد بصير ، فحافظ على تلاوة القرآن على الوجه المتلقّى من حضرة خير الأنام ؛ عسى اللّه إذا قبل منك اليسير أن يتجاوز عن الكثير .
الفصل الرابع في بيان اللحن الجلي والخفي ، وحدّهما ، وحكمهما
اعلم أن اللّه تبارك وتعالى أنزل القرآن بالتجويد حيث قال :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
[ الفرقان : الآية 32 ] أي أنزلناه بالترتيل وهو التجويد . وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنّة وإجماع الأمة كما تقدم بيانه ، وأن اللحن فيه حرام ؛ قال اللّه تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
[ الزّمر : الآية 28 ] فينبغي للقارئ أن يعرف اللحن ليجتنبه ، وهذا كمعرفة نحو السحر ليجتنب [ اه . مقدسي ] . وقد أشار إلى ذلك الخاقاني بقوله :
فأوّل علم الذّكر إتقان حفظه * ومعرفة باللحن من فيك إذ يجري
فكن عارفا باللحن كيما تزيله * وما للذي لا يعرف اللحن من عذر
فإذا تحلّى القارئ بالوصفين ، وبرئ من اللحنين ، عدّ من أولي الإتقان ، ونظم في سلك أهل القرآن . ثم إن اللحن يأتي في لغة العرب على معان ، والمراد به هاهنا الخطأ والميل عن الصواب ، وهو نوعان : جليّ ، وخفيّ ، ولكل واحد منهما حدّ يخصه وحقيقة يمتاز بها عن صاحبه .