وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ 124
« 1 » ، فقد جعله اللّه للناس إماما لا ريب في ذلك ، إلا أنه طلب الإمامة لذريته بعد تواجد هذه الذرية ، فما هو هذا الابتلاء العسير الذي ستظهر به قابلياته النفسية ، وملكاته الكامنة بالعمل والجد والسعي دون القول وحده ، هذا الابتلاء كان متعلقا بالكلمات ، والكلمات جمع كلمة ، والكلمة قد يراد بها الشخص في القرآن ، الشخص بذاته ، والانسان المعهود نفسه ، أي أنها قد تطلق على الوجود العيني كما في قوله تعالى بالنسبة لعيسى عليه السّلام :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ 45
« 2 » . وبهذا يتجلى أن كلمة اللّه هنا هي فعله ، كما هي فعله ، كما هي في غيرها قوله ، قال تعالى :
وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ
« 3 » .
وقد ابتلى إبراهيم قبلها بأوامر إلهية صارمة كالهجرة وذبح الولد ، وبناء البيت وإبعاد الأهل وسواها ، وهنا لم يذكر شيئا منها لعدم تعلق المقام فيها ، إلا أن الغرض قد يكون واضحا في هذه الكلمات بمقارنة قوله تعالى :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
، فهو حديث خاص يتعلق باقتداء الناس به ، يستضيئون بنور علمه ، ويهتدون بما يفيض عليهم من كمالات الائتمام استكمالا للفيض الإلهي عليه بعد أن كان نبيا ورسولا وخليلا ، فأضاف إليها الإمامة وهي الولاية العامة على الناس ، ويبدو أنه قبلها ، بل وطلبها إلى ذريته ، فكان الجواب
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
تعبيرا عن إبعاد الظالمين عن ولاية العهد الإلهي ؛ وبهذا يتجلّى أن الظالم لا يصلح للإمامة لأنه لا يكون هاديا إلى الحق ، وأن الامام يجب أن يكون معصوما لأنه ليس بظالم ، وجميع الذنوب من الظلم النفسي أو الغيري أو كلاهما معا ، ومن لم يذنب لا يعدّ ظالما ، فاقتضى القول بالعصمة ، وهذا ما تؤيده النظرية العلمية الدقيقة في شؤون القرآن بعيدا عن المذهب الكلامي
هامش
( 1 ) البقرة : 124 .
( 2 ) آل عمران : 45 .
( 3 ) الأنعام : 34 .