رابعا : التصوف :
أما التصوف ؛ فهو وإن لم يكن من العلوم الإسلامية الرسمية ، إلا أنه استفاض في الأمة أكثر من أىّ علم آخر ، وتخلّلت أحكامه وقواعده قلوبها ونفوسها ، وانتشرت كتبه بين طبقاتها ، فكان من الواجب على من يكتب في العلوم الدينية أن يعنى بشأنه ويهتم ببحوثه .
وفي الحق أنّ التصوف الصحيح هو لباب الإسلام ، وأن الصوفية الصادقين من خيار رجاله الذين عملوا على نشره وإعزازه ، وتربية النفوس على مبادئه بطرق لم يسبقهم إليها غيرهم من الفلاسفة والمربين .
وفي رأيي أن التصوف قسمان : تصوّف ديني إسلامي ، يستمدّ أصوله وأحكامه من كتاب الله وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم .
وتصوف فلسفي عقلي ، يستمد أصوله وقواعده من نظريات الفلاسفة وأحكامهم على العوالم والنفوس .
وقد اختلط القسمان اختلاطا كبيرا عزّ معه إدراك الحق من الباطل ، واستخدمت فيه آراء الفلاسفة لتفسير كلام الله وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم بقدر ما تأوّل به المتأوّلون الآيات والأحاديث بما يتفق وآراء الفلاسفة حتى صار للصوفية لسان خاص بهم ، واصطلاحات مقصورة عليهم .
ونلاحظ كذلك أن التصوف الإسلامي نفسه قسمان : قسم يتعلق بالتربية والتهذيب وتطهير النفوس ، وحملها على محاسن الأخلاق ، واستكمال الفضائل وهو المعروف بعلم المعاملة .
وقسم يتعلق بنتائج الرياضة ، وثمرات العبادة من الأذواق والمواجد والكشف والفيض إلى غير ذلك .
وقد اختلط القسمان كذلك اختلاطا يصعب معه تمييز أحدهما من الآخر ، ولهذا يتعلق بعض المريدين بالثمرة ، ويتشوّقون إليها قبل أن يسلكوا سبيل الوصول ، بل ربما غفلوا عنه واستهتروا به .