[ المسلمون بين الوحدة والفرقة ]
« 1 »
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ( 100 ) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 101 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ آل عمران : 100 - 102 ] .
ما أشبه الليلة بالبارحة :
روى زيد بن أسلم قال : مرّ شاس بن قيس اليهودي - وكان شيخا عظيم الكفر ، شديد الطعن على المسلمين - بنفر من الأوس والخزرج ، وهم في مجلس يتحدثون ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، وقال : " قد اجتمع بنو قيلة - ( وهو لقب الأنصار قبل الإسلام ) - بهذه البلاد ، واللّه ما لنا معهم من قرار إذا اجتمعوا " فأمر شابّا من اليهود كان معه أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث - ( وهو يوم القتال بين الأوس والخزرج ) - ففعل فتكلّم القوم عند ذلك ، وتنازعوا ، وتفاخروا ، وتنادوا إلى السلاح ، وتداعوا بدعوى الجاهلية ، فخرج إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه المهاجرون ، حتى جاءهم ، فقال : يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ بعد إذا أكرمكم اللّه بالإسلام ، وقطع عنكم أمر الجاهلية ، وألّف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ، اللّه اللّه ! فعرف القوم أنها نزغة الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا ، واعتنق بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سامعين مطيعين ، فأنزل اللّه عز وجل الآيات « 2 » .
أرأيت أيها الأخ المسلم كيف تغيظ وحدة المسلمين عدوهم ، فيعمل على تمزيقها ، وما حصل بالأمس قد تكرّر اليوم ، فإنّ خصوم الإسلام من المستعمرين والغاصبين والملاحدة رأوا وحدة المسلمين في ديارهم وأقطارهم ، ورأوا شدة تمسّكهم بدينهم ، فعملوا على تمزيق هذه الوحدة بالتجزئة والتقسيم ، وإثارة القومية الموضعية بين الأقطار
هامش
( 1 ) نشرت في مجلة ( النذير ) في العدد ( 18 ) من السنة الثانية في غرة جمادى الأولى سنة 1358 ه .
( 2 ) انظر : سيرة ابن هشام ( 2 / 183 - 185 ) .