تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
وقال قوم : إنها نزلت حين ذبح بعض المسلمين أضحيتهم قبل رسول اللّه . واستدلّ هؤلاء بما رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن : أن أناسا ذبحوا قبل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يوم النحر ، فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يعيدوا ذبائحهم ، فأنزل الله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )
« 1 » قالوا : ومن هؤلاء الذين ذبحوا : أبو بردة بن نيار . وقال آخرون : إنها نزلت حين توالت وفود العرب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأكثروا من مسألته قبل أن يكون هو البادئ بالكلام ، فنهاهم الله عن ذلك حتى يبدأهم صلى اللّه عليه وسلم بما يريد من الأحكام . وقال غيرهم : إنّ أناسا كانوا يتعجّلون ، فيقولون : لو أنزل الله في كذا لكان كذا ، فنهاهم الله عن هذا التمني بهذه الآية « 2 » . وروى ابن جرير هذا عن قتادة وغيره . وفي سبب النزول أقوال أخر لا تخرج عن مثل ما ذكرنا ، ولا نخرج عن القصد من هذه المدارسة بسردها ، وحسبك ما تقدم .

[ ترجيح بين الأقوال ]

أعتقد أنه ليس ما يمنع من إرادة هذه المعاني جميعا ، فكلّها لا تخرج عن مقصد واحد هو : الانتظار حتى يكون الرسول صلى اللّه عليه وسلم البادئ بالكلام وبالسؤال ، وبإيراد الأحكام وبتأويلها وهكذا . وعلى ذلك يكون معنى الآيات الكريمة - والله أعلم بمراده - : يا أيها الذين آمنتم وصدّقتم بمحمد ورسالته ، واعتقدتم دينه وعقيدته : أجلّوا قدر هذه المهمة العظمى في شخصه الكريم ، وتأدّبوا معه الأدب السّامى العالي ، فلا تكونوا بادئيه بشيء حتى يتقدّم إليكم فيه بأمر ، ولا ترفعوا أصواتكم في حضرته كما يرفع أحدكم صوته في حضرة أخيه ، ولا تنادوه بما ينادى به بعضكم بعضا ، بل نادوه نداء يشعر بالتعظيم والتكريم ، والإجلال والاحترام ، حتى لا تكون غفلتكم عن تقديس هذه المنزلة سببا في تقصيركم ومؤاخذتكم بما يزيد على طاعتكم ، فيبطل ثوابها ويربى على جزائها فتهلكون وأنتم لا تشعرون . فإن
هامش
( 1 ) انظر : تفسير الطبري ( 11 / 378 ) وتفسير الحسن ( 2 / 295 ) والدر المنثور ( 6 / 85 ) . ( 2 ) انظر : تفسير عبد الرزاق ( 2 / 230 ) والطبري ( 11 / 377 ) .