بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 106 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 107 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ
[ الأعراف : 106 - 108 ] .
[ حكمة عدم تلبية القرآن لمطالب المشركين من الرسل ]
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمات جميعا : الرد على مقترحاتهم هذه بما يفحمهم ويلجمهم ، وبينت أن السبب في عدم إجابتهم : ليس العجز عنها ، فإن اللّه على كل شئ قدير ، وإنما السبب في ذلك اعتبارات جليلة وحكم سامية وردت منثورة في هذه الآيات ، وهذه هي حكمة تكرارها وورودها في سور كثيرة ، ومن هذه الاعتبارات والحكم التي تقتضى عدم إجابتهم إلى ما سألوا :
1 - بيان أن ذلك ليس من مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فهم دعاة هداية وأساتذة إرشاد ، يبينون للناس الحق ويدعونهم إليه ، فمن اهتدى فقد فاز ، ومن أبى فقد خسر ، وليس من مهمة الرسل ولا من وظائفهم التصرف في نواميس الكون ونظمه ، فذلك للّه وحده إن شاء ذلك فهو على كل شئ قدير ، وإن لم يرده فلا قدرة لأحد عليه ، وقد أشير إلى هذا في الجواب عليهم في كثير من الآيات السابقة مثل قوله تعالى :
فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
[ يونس : 20 ] ،
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
[ الرعد : 7 ] ،
قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
[ الرعد : 27 ] ،
قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ
[ العنكبوت : 50 ] ،
قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
[ الأنعام : 37 ] .
وإنما آثر وصف الإنذار للرسل في هذه الآيات الكريمة - مع أنهم صلوات اللّه عليهم مبشرون ومنذرون كما جاء في آية النساء [ الآية : 165 ]
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
- لأن هذا الوصف هو الأليق والأخلق بهذه النفوس العنيدة والرؤوس الصلبة ، التي تأبى الإيمان إلا أن تقسر عليه قسرا ، فالمقام يقتضى هذا الوصف ، ولهذا أفرد بالذكر دون الوصف الثاني وهو التبشير لأنه مقتضى المقام ، وهذا المعنى هو الغالب على النفوس البشرية أن تقاد بالقهر والتخويف أكثر مما تقاد بالحب والتبشير .