تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
الإنسانية مقرونا بالظلم تارة ، وبالجحود تارة أخرى ، وهكذا قال تبارك وتعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
[ إبراهيم : 34 ] ،
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ الأحزاب : 72 ] ،
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] الآيات ، ويكون المراد على ذلك - واللّه أعلم - : أن اللّه تبارك وتعالى يغفر للناس تفضلا منه وكرما ، وإن كانت طبائعهم إلى الشر والظلم أقرب . ومن ذلك تعلم : أن الإنسان في أشد الحاجة إلى محاسبة نفسه ومراقبتها أدق المراقبة ، ومقاومة غرائز السوء فيها ، وتقوية عوامل الصلاح والخير التي تحيط بها ، حتى يسلس له قيادها ويسير في الطريق المستقيم ، وذلك بإشعارها الخوف تارة ، وأخذها بالشدة والقسوة وإشعارها بالرجاء تارة أخرى ، وأخذها باللين والأمل ، قال الإمام النووي في ( رياض الصالحين ) : « اعلم أن المختار للعبد في حال صحته : أن يكون خائفا راجيا ، ويكون خوفه ورجاؤه سواء ، وفي حال المرض يمحض الرجاء ، وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة متظاهرة على ذلك . . فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين ، أو آيات ، أو آية واحدة » « 1 » . وكأنه - رحمه اللّه - أشار بتغليب الرجاء حال المرض إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث جابر ابن عبد اللّه رضى اللّه عنهما : أنه سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول : « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه عز وجل » رواه مسلم « 2 » . والقاعدة التي يجب أن يسير عليها الإنسان دائما : الفرار إلى الخوف ، وهكذا لا يزال يكسر حدة أحدهما بالآخر بحسب حاله في مجاهدة نفسه . وفي التعبير بالربوبية في قوله تبارك وتعالى :
( وَإِنَّ رَبَّكَ )
إشارة إلى عظيم لطف اللّه تبارك وتعالى بعباده وتعهده إياهم بفضله وبره ، وأن المراد بالثواب والعقاب : إنما هو كمال تربية النوع الإنسانى ، حتى يصل إلى كماله المنشود .
هامش
( 1 ) انظر : رياض الصالحين ص 168 . بتحقيق : شعيب الأرناءوط . ط : الرسالة . ( 2 ) رواه أحمد ( 4 / 287 ) ومسلم ( 2877 ) عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنهما .