وقل مثل ذلك في نفى التثليث وغيره من عقائد الأمم السابقة جميعا .
خامسا : تقوية الصلة بين الوجدان الإنسانى والخالق ، حتى يصل الإنسان بذلك إلى نوع من المعرفة الروحية هو أعذب وأصدق أنواع المعرفة جميعا ، وذلك أن الوجدان الإنسانى أقدر على كشف المستورات غير المادية من الفكر المحدود بقيود المادة والأرقام ، فالإسلام كثيرا ما يخاطب الوجدان ، ويستثير الخواص النفسانية الكامنة في الإنسانية لتتصل باللّه تبارك وتعالى وتسمو إلى حظائر الملأ الأعلى .
يقول القرآن الكريم :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرعد : 28 ] وفي ذلك يقول أحد الفلاسفة الكونيين : « إن ضمائرنا تشهد لنا بوجود اللّه قبل أن تشهد به عقولنا » .
ويصور القرآن هذا المعنى في الآية الكريمة
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
[ الإسراء : 67 ] .
هذه الصلة الخفية بين الضمير الإنسانى وبين الخالق التي تبدو في غاية الوضوح والجلاء عند الشدائد التي تنقطع فيها الآمال ، هي التي يعمل الإسلام كثيرا على أن تكون ضوءا يتعرف به الإنسان خالقه العظيم سبحانه وتعالى .
سادسا : مطالبة المؤمنين بأن تظهر عليهم نتائج هذه العقائد العملية ، فالمؤمن إذا اعتقد أن ربه قادر كانت نتيجة هذه العقيدة العملية أن يتوكل عليه ويلجأ إليه ، وإذا اعتقد أنه عالم راقبه واستولت عليه خشيته ، وإذا اعتقد أنه عظيم عظمه فخافه وأحبه وهكذا .
وقد أشارت إلى ذلك الآيات الكريمة في كثير من المواضع ، قال تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
[ الأنفال : 2 - 4 ] . والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب اللّه تبارك وتعالى ، وكل عقيدة لا تنتج أثرها ، ولا تحمل صاحبها على مستلزماتها ، فهي عقيدة واهية ضعيفة لا تؤدى إلى الإيمان الكامل الصحيح .