ولكن الله صرفهم عن ذلك ، وكل ما كان كذلك فجهة إعجازه الصرفة عن معارضته ، فالقرآن الكريم جهة إعجازه الصرفة ، هذا رأى الأستاذ أبي إسحاق من أهل السنة . والنظّام من المعتزلة . والمرتضى من الشيعة . مع اختلافهم في المراد بالصرف كما سنبين .
وقد استدلوا على صغرى هذا الدليل بأنه : قد نقل عن العرب مقالات بليغة وكلمات فصيحة مستحسنة ، وكل من كان هذا شأنه فهو قادر على معارضة القرآن ، وأما أن الله صرفهم فلأنهم لو فعلوا لنقل إلينا لكنه لم ينقل فدل على عدم حصول ذلك منهم .
والصرفة يمكن تفسيرها بما يأتي :
1 - أن الله سلب دواعيهم إلى المعارضة مع توفر أسباب الدواعي في حقهم من التقريع بالعجز والتكليف بالانقياد والخضوع ومخالفة الأهواء .
2 - أن يريدوا بالصرفة أن الله تعالى سلبهم العلوم التي يتوقف عليها معارضة القرآن ، وذلك بعد أن كانت تلك العلوم حاصلة لهم على جهة الاستمرار ثم أزالها الله عنهم ومحاها من أفئدتهم ، أو أن تلك العلوم ما كانت حاصلة لهم غير أن الله تعالى صرف دواعيهم عن تجديدها حتى لا تحصل المعارضة .
3 - أن يراد بالصرفة أن الله تعالى منعهم بالإلجاء والقسر عن المعارضة مع كونهم قادرين فلذا لم تحصل .
والجواب :
( أولا ) لا نسلم أن كل من نقل عنه مقالات بليغة . . إلخ يقدر على معارضة القرآن الذي بلغ الغاية في البلاغة .
( ثانيا ) القول بالصرفة مردود بما يأتي :
2 - أنهم لو صرفوا عن المعارضة مع تمكنهم منها لعلموا ذلك من أنفسهم ، بالضرورة ، ولميزوا بين أوقات المنع وأوقات التخلية ، ولو علموا لتذاكروا متعجبين من حالهم ، ولو تذاكروا لانتشر عنهم ذلك لكن ذلك لم يحصل ، ولا يقال إنهم
منهج الفرقان في علوم القرآن — صفحة 149
مساهمون: محمد علي سلامة
ص١٤٩