شهد به كتابه المبين ، عن لسان رسوله الصادق الأمين ، جعله كتابا فارقا بين الشك واليقين ، أعجز الفصحاء معارضته ، وأعيا الألباء مناقضته ، وأخرس البلغاء مشاكلته ، جعل أمثاله عبرا للمتدبرين ، وأوامره هدى المستبصرين ، ضرب فيه الأمثال ، وفرّق فيه بين الحرام والحلال ، وكرّر القصص والمواعظ بألفاظ لا تمل ، وهي مما سواها أعظم وأجلّ ، ولا تخلق على كثرة الترديد ، بل بكثرة تلاوتها حسنا وحلاوة ولا تزيد ، قد حثنا على فهم معانيه ، وبيان أغراضه ومبانيه ، فليس المراد حفظ مبناه ، بل فهم قارئه معناه ، قال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
فقد ذمّ اللّه اليهود حيث يقرءون التوراة من غير فهم فقال :
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ
« 1 » فعلى العاقل الأديب ، والفطن اللبيب ، أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنية ، ويأخذ بالرتبة السنية ، فيقف على أهم العلوم وآكدها المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة ، وهي بعد تجويد ألفاظه خمسة : علم العربية ، والصرف ، واللغة ، والمعاني ، والبيان .
شرح
وثانيهما : المواضع التي نصّ عليها القراء ، فكل موضع منها يسمى وقفا وإن لم يقف القارئ عنده ، ومعنى قولنا هذا وقف : أي موضع يوقف عنده ، وليس المراد أن كل موضع من ذلك يجب الوقف عنده ، بل المراد أنه يصلح عنده ذلك وإن كان في نفس القارئ طول ، ولو كان في وسع أحدنا أن يقرأ القرآن كله في نفس واحد ساغ له ذلك ، والقارئ كالمسافر ، والمقاطع التي ينتهي إليها القارئ كالمنازل التي ينزلها المسافر ، وهي مختلفة بالتامّ والحسن وغيرهما مما يأتي كاختلاف المنازل في الخصب ووجود الماء والكلأ وما يتظلل به من شجر ونحوه ، والناس مختلفون في الوقف فمنهم من جعله على مقاطع الأنفاس ، ومنهم من جعله على رؤوس الآي ، والأعدل أنه قد يكون في
هامش
( 1 ) في هذه الآية إشارة إلى أن المرء يجب أن يعقل ما يقرأ ويتدبره ولا يكتف بترديده فحسب بل يجب أن يعمل به أيضا ، وإلا أصبح كاليهود عياذا باللّه تعالى ، كما قال عز وجل في آية أخرىفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا.