بينهما والتشابه . وقد تكون العبارة بجملتها هي الموحية كما تجد ذلك في قوله تعالى :
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
( المؤمنون 19 ) . أو لا تجد هذه الثياب من النار ، موحية لك بما يقاسيه هؤلاء القوم من عذاب أليم ، فقد خلقت الثياب يتقى بها اللابس الحر والقر ، فما ذا يكون الحال إذا قدت الثياب من النيران .
لو بغير الماء صدري شرق * كنت كالغصان ، بالماء اعتصارى
ومن هذا الباب قوله تعالى :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
( الزمر 16 ) . فإن الظلة إنما تكون ليتقى بها وهج الشمس ، فكيف إذا كان الظلة نفسها من النيران .
هذه أمثلة قليلة لما في القرآن من كلمات شديدة الإيحاء ، قوية البعث لما تتضمنه من المعاني . وهناك عدد كبير من ألفاظ ، تصور بحروفها ، فهذه « الظاء والشين » في قوله تعالى :
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ
( الرحمن 35 ) .
و « الشين والهاء » في قوله تعالى :
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 6 ) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ
( الملك 7 ) . و « الظاء » في قوله تعالى :
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى
( الليل 14 ) . و « الفاء » في قوله سبحانه :
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
( الفرقان 11 ، 12 ) . حروف تنقل إليك صوت النار مغتاظة غاضبة . وحرف « الصاد » في قوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
( القمر 19 ) . يحمل إلى سمعك صوت الريح العاصفة ، كما تحمل « الخاء » في قوله سبحانه :
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( فاطر 12 ) . إلى أذنك صوت الفلك ، تشق عباب الماء .
وألفاظ القرآن مما يجرى على اللسان في سهولة ويسر ، ويعذب وقعه على الأذن ، في اتساق وانسجام .
قال البارزى في أول كتابه : ( أنوار التحصيل في أسرار التنزيل ) : اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، وكذلك كل واحد من جزءي الجملة قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر ، ولا بدّ من استحضار معاني الجمل ، واستحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها ، واستحضار هذا متعذر على البشر ، في أكثر الأحوال ، وذلك عتيد حاصل في علم اللّه ، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه ، وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح ، والمليح والأملح ، ولذلك أمثلة منها قوله تعالى :
وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ
( الرحمن 54 ) . لو قال مكانه : « وثمر الجنتين قريب » . لم يقم مقامه من