ولما كانت كلمة
راعِنا
لها معنى في العبرية مذموم ، نهى المؤمنين عن مخاطبة الرسول بها فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
( البقرة 104 ) .
فالقرآن شديد الدقة فيما يختار من لفظ ، يؤدى به المعنى .
استمع إليه في قوله :
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
( البقرة 49 ) . ما تجده قد اختار الفعل ذبح ، مصورا به ما حدث ، وضعّف عينه للدلالة على كثرة ما حدث من القتل في أبناء إسرائيل يومئذ ، ولا تجد ذلك مستفادا إذا وضعنا مكانها كلمة يقتلون .
وتنكير كلمة حياة ، في قوله تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
( البقرة 96 ) .
يعبر تعبيرا دقيقا عن حرص هؤلاء الناس على مطلق حياة يعيشونها ، مهما كانت حقيرة القدر ، ضئيلة القيمة ، وعندما أضيفت هذه الكلمة إلى ياء المتكلم في قوله تعالى :
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( 23 ) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي
( الفجر 23 ، 24 ) . عبرت بأدق تعبير عن شعور الإنسان يومئذ ، وقد أدرك في جلاء ووضوح أن تلك الحياة الدنيا لم تكن إلا وهما باطلا ، وسرابا خادعا ، أما الحياة الحقة الباقية ، فهي تلك التي بعد البعث ؛ لأنها دائمة لا انقطاع لها ، فلا جرم أن سماها حياته ، وندم على أنه لم يقدم عملا صالحا ، ينفعه في تلك الحياة .
واستمع إلى قوله تعالى :
إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
( 11 ) ( الإنسان 10 ، 11 ) . تجد كلمة العبوس قد استعملت أدق استعمال ؛ لبيان نظرة الكافرين إلى ذلك اليوم ، فإنهم يجدونه عابسا مكفهرّا ، وما أشد اسوداد اليوم ، يفقد فيه المرء الأمل والرجاء ، وكلمة
قَمْطَرِيراً
بثقل طائها مشعرة بثقل هذا اليوم ، وفي كلمتي النضرة والسرور تعبير دقيق عن المظهر الحسى لهؤلاء المؤمنين ، وما يبدو على وجوههم من الإشراق ، وعما يملأ قلوبهم من البهجة .
ومن دقة التمييز بين معاني الكلمات ، ما تجده من التفرقة في الاستعمال بين :
يعلمون ، ويشعرون ، ففي الأمور التي يرجع إلى العقل وحده أمر الفصل فيها ، تجد كلمة
يَعْلَمُونَ
صاحبة الحق في التعبير عنها ، أما الأمور التي يكون للحواس مدخل في شأنها ، فكلمة
يَشْعُرُونَ
أولى بها ، وتأمل لذلك قوله تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
( البقرة 13 ) . فالسفاهة أمر مرجعه إلى العقل ، وقوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
( البقرة 26 ) . وقوله تعالى :
أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
( البقرة 77 ) . وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ