ما امتنّ عليهم بنعمة الرزق ، فيقرّرها مرة ، ويقررهم بها أخرى ، فيقول حينا :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
( غافر 64 ) . ويقول حينا :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ
( يونس 31 ) . ويسترعى انتباههم إلى طعامهم الذي هو من فيض فضله ، فيقول :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
( 32 ) ( عبس 24 - 32 ) .
وإن في إكثار القرآن من الحديث عن هذه النعم ، وتوجيه أنظارهم إليها ، وتقريرهم بها ، ما يدفعهم إلى التفكير في مصدرها ، وأنه جدير بالعبادة ، وما يثير في أنفسهم شكرها وتقديس بارئها ، ولا سيما أن تلك النعم ليست في طاقة بشر ، وأنها باعترافهم أنفسهم من خلق العلىّ القدير . وهكذا يتكئ القرآن على عاطفة إنسانية يثيرها ، لتدفع صاحبها عن طريق الإعجاب حينا ، والاعتراف بالجميل حينا ، إلى الإيمان باللّه وإجلاله وتقديسه . كما أن ذلك الوصف يبعث في النفس حب اللّه المنعم ، فتكون عبادته منبعثة عن حبه وشكر أياديه .
ومما عنى القرآن بإبرازه من صفات اللّه وحدانيته ، لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، وقد أبرز القرآن في صورة قاطعة أنه لا يقبل الشرك ولا يغفره :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
( النساء 48 ) ؛ ويعد الإشراك رجسا فيقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
( التوبة 28 ) .
أو ليس في هذا التصوير ما يبعث في النفس النفور منه والاشمئزاز ؟ !
والقرآن يعرض لجميع ألوان الإشراك ، فيدحضها ويهدمها من أساسها ، فعرض لفكرة اتخاذ ولد ، فحدثنا في صراحة عن أنه ليس في حاجة إلى هذا الولد ، يعينه أو يساعده ، فكل من في الوجود خاضع لأمره ، لا يلبث أن ينقاد إذا دعى ،
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 117 ) ( البقرة 116 ، 117 ) . وحينا يدفع ذلك دفعا طبيعيا بأن الولد لا يكون إلا إذا كان ثمة له زوجة تلد ، أما وقد خلق كل شئ ، فليس ما يزعمونه ولدا سوى خلق ممن خلق :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ