بأن هذا المسيح الذي يزعمونه إلها ، ليس لديه قدرة يدفع بها عن نفسه إن أراد اللّه أن يهلكه ، وأنه لا امتياز له على سائر المخلوقات ، بل هو خاضع لأمره ، مقر بأنه ليس سوى عبد اللّه ، وليس المسيح وأمه سوى بشرين يتبوّلان ويتبرّزان ، أو تقبل الفطرة الإنسانية السليمة أن تتخذ لها إلها هذا شأنه ، لا يتميز عن الناس في شئ ، ولا يملك لهم شيئا من الضر ولا النفع ، ولننصت إلى القرآن مهاجما دعوى ألوهية عيسى قائلا :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( المائدة 17 ) .
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 72 ) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 ) أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 76 ) ( المائدة 72 - 76 ) .
وإن الغريزة لتنأى عن عبادة من لا يملك الضرر ولا النفع . وتأمل جمال الكناية في قوله :
يَأْكُلانِ الطَّعامَ
. والمسيح مقر - كما رأيت - بعبوديته ولا يستنكف أن يكون للّه عبدا ،
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
( النساء 172 ) .
وهاجم القرآن بكل قوة الإشراك باللّه ، وهو يهاجم ببلاغته العقل والوجدان معا فيأخذ في نقاش المشركين ، ليصلوا إلى الحق بأنفسهم ، ويلزمهم الحجة ، ويقودهم إلى الصواب ، فيسألهم عمن يرزقهم ، ومن يملك سمعهم وأبصارهم ، ومن يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ومن يدبر أمر العالم ، ومن يبدأ الخلق ثمّ يعيده ، ومن يهدى إلى الحق ، وإذا كان المشركون أنفسهم يعترفون بأن ذلك إنما هو من أفعال اللّه ، فما قيمة هؤلاء الشركاء إذا ، وما معنى إشراكهم للّه في العبادة ، أوليس من يهدى إلى الحق جديرا بأن يعبد ويتّبع ، أما من لا يهتدى إلا إذا اقتيد فمن الظلم عبادته ، ومن الجهل اتباعه ، وليست عبادة هؤلاء الشركاء سوى جرى وراءه وهم لا يغنى من الحق شيئا ، وتأمل جمال هذا النقاش الذي يثير التفكير والوجدان معا : يثير التفكير بقضاياه ، ويثير الوجدان بهذا التساؤل عن الجدير