لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ( 38 ) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
( 39 ) ( الأعراف 37 - 39 ) . والحوار كما ترى ينقل الحقيقة أمامك مصورة .
وثالث ما يختص به هذا الانسجام الموسيقيّ ، الذي فيه تؤلف العبارة من كلمات متّسقة ، ذات حركات وسكنات ، يشعر المرء عند تلاوتها بما يكمن وراء هذا النظام من موسيقى واتساق ، وإن هذه الموسيقى التي تكمن وراء هذا النظم هي التي مكنت المرتلين من تلاوته بهذه الأنغام الموسيقية ، وإن شدّة هذا الانسجام يصل في بعض الأحيان إلى أن تتفق الآية مع وزن بحر من بحور الشعر ، كما نرى ذلك في قوله تعالى :
وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
( سبأ 13 ) . فهي تتفق مع بحر الرمل ، وقوله تعالى :
وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ
( فاطر 18 ) . مما يتّزن على بحر الخفيف ، وقوله تعالى :
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ
( المؤمنون 36 ) ، مما هو شطر بيت من بحر السريع ، وقوله تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
( 3 ) ( الطلاق 2 ، 3 ) . مما يوزن على بحر المتقارب ، وقوله سبحانه :
وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا
( الإنسان 14 ) . وبإشباع حركة الميم يوزن على بحر الرّجز ، وقوله تعالى :
وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
( التوبة 14 ) وزنوه على بحر الوافر ، وقوله تعالى :
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ( 1 ) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً
( 2 ) ( العاديات 1 ، 2 ) . وما على شاكلته ، مما يوزن على بحر البسيط . وليس ذلك بمدخل القرآن في الشعر ؛ لأنه « إنما يطلق متى قصد القاصد إليه ، على الطريق الذي يعمد ويسلك ، ولا يصح أن يتفق مثله إلّا من الشعراء ، دون ما يستوى فيه العامىّ والجاهل ، والعالم بالشعر واللسان وتصرّفه ، وما يتفق من كل واحد ، فليس يكتسب اسم الشعر ، ولا صاحبه اسم شاعر ، لأنه لو صح أن يسمى شاعرا كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر ، أو أن تنتظم انتظام بعض الأعاريض ، كان الناس كلهم شعراء ، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ما قد يتزن بوزن الشعر ، وينتظم انتظامه ، ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه : « أغلق الباب ، وائتني بالطعام » . . . ومتى تتبع الإنسان هذا عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه » « 1 » .
ويتسم الأسلوب القرآني بالهدوء عندما يتطلب الأمر هدوءا وتأملا وفضل تدبر ، كما في الآيات التي تدعو إلى إعمال الفكر ، وفي القصص والأخبار
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن ص 57 .