تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
تُبْقِي وَلا تَذَرُ
( 28 ) ( المدثر 11 - 28 ) . أو عندما يتطلب الأمر إسراعا كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
( 7 ) ( المدثر 1 - 7 ) . وأسلوب القرآن منه المسجوع ومنه المرسل ، وهو في كليهما يخالف غالبا ما ألف الناس في السجع والإرسال ، فالقرآن يلتزم حرف السجع في أكثر من آيتين ، بل قد تكون السورة كلها على حرف واحد ، كسورة القمر ، التي التزم فيها حرف الرّاء ، ومن أمثلة ما تعدى فيه السجع جملتين ، قوله تعالى :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
( 10 ) ( عبس 1 - 10 ) . وقد يأتي بين الجمل المسجوعة بجملة لا تتفق فاصلتها مع ما سبقها ولحقها ، وكأنما تلك الكلمة تتطلّب عناية خاصة ، تستدعى قدرا كبيرا من الرعاية ، تثيره هذه المخالفة لنسق الآيات كقوله تعالى :
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
( 37 ) ( عبس 19 - 37 ) . فأنت ترى كلمتي : طعامه والصاخة ، بخروجهما على النسق ، قد أثارا انتباه السامع ، ودفعاه إلى التريث وإنعام النظر . كما أنك ترى في الآيات السالفة أن الكلمة قد تحافظ على وزن زميلتها في السجع لا في الحرف الأخير ، كما نجد ذلك في قضبا ونخلا ، وقد سبق أن تحدثنا عن ذلك في فصل الفاصلة . وقد تكون الجملتان المسجوعتان متوازنتين في القصر ، كما في قوله تعالى :
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ( 1 ) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ( 4 ) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
( 5 ) ( التكوير 1 - 5 ) ، وحينا تتوازنان في الطول ، ولا يكون باقيا من مظاهر السجع سوى هذه الفاصلة التي تتفق في آخر الآيات ، أما الآيات نفسها فمرسلة ، وإن كانت لا تتفق مع مرسل كلام الناس ، لوجود الفاصلة المتحدة أو المتماثلة في آخرها ، كما ترى ذلك في قوله سبحانه :
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 64 ) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ