تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
( يوسف 1 ) . وكأنما هي تنبيه للسامع كي يستجمع كل ما يملك من قوة ، ليستمع إلى ما سيلقى إليه ، وكذلك يثور الشوق لدى سماع كل فاتحة فيها ثناء على الكتاب وتعظيم لأمره ، شوق يدعو إلى معرفة ما يحويه هذا الكتاب ، الذي يصفه حينا بأنه يخرج من الظلمات إلى النور ، في قوله :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
( إبراهيم 1 ) .
وبأنه لا ريب فيه في قوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
( البقرة 2 ) .
وكثر في القرآن البدء بالقسم ، وهو بطبيعته يدفع إلى التطلع لمعرفة المقسم عليه ، لأنه لا يلجأ إلى القسم إلا في الأمور المهمة التي تحتاج إلى تأكيد وإثبات ، وقد يطول القسم فيطول الشوق ، وتأمّل جمال البدء بالقسم في قوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ( 1 ) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ( 2 ) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 3 ) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
( 4 ) ( الليل 1 - 4 ) .
وكما يثير القسم الشوق والتطلع ، كذلك يثيرهما في النفس الاستفهام والشرط ، ففي الاستفهام تتجمع النفس لمعرفة الجواب ، وفي الشرط تتطلع لمعرفة الجزاء ، وقد افتتحت عدة سور من القرآن بهما كما في قوله تعالى :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
( العنكبوت 2 ) . وقوله :
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ( 4 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
( 5 ) ( الانفطار 1 - 5 ) .
وقد تبدأ السورة بنداء الرسول أو المؤمنين ، للأمر بشيء ذي بال ، أو النهى عن أمر شديد النكر ، أو تبدأ بخبر يثير الشوق ، أو تدخل السورة مباشرة في الحديث عن الغرض الذي نزلت لأجله ، كما في قوله تعالى :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( التوبة 1 ) . وكأن في ضخامة الغرض وقوته ما يشغل عن التمهيد له ، بل كأن في التمهيد إضاعة لوقت يحرص القرآن على ألا يضيع .
وقد يكون مفتتح السورة موحيا بفكرتها ، ومتصلا بها شديد الاتصال ، ومتناسبا معها شديد التناسب ، فمن ذلك سورة آل عمران التي افتتحت بقوله :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
( آل عمران 2 ) . وقد عالجت السورة أمر عيسى ونزهت اللّه عن الولد ، أو لا ترى البدء مناسبا لهذا التنزيه ؟ ومن ذلك سورة النساء ، فقد تحدثت عن كثير من أحكامهن في الزواج والميراث ، فكان من أجمل براعات الاستهلال قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً