تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
لا تحرك به لسانك ، لتعجل به ، إن علينا أن نجمع عملك ، وأن نقرأ عليك ، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت ، ثم إن علينا بيان أمر الإنسان ، وما يتعلق بعقوبته » « 1 » وإذا كنت أوافقه في أصل الفكرة فإني أخالفه في تفصيلاتها ، فالمعنى ، على ما أدرى ، ينبّأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر ، وذلك كما أخبر القرآن ، في كتاب مسطور ، وفي تلك الآيات يصف القرآن موقف المرء من هذا الكتاب فهو يتلوه في عجل كي يعرف نتيجته ، فيقال له : لا تحرك بالقراءة لسانك لتتعجل النتيجة ، إن علينا أن نجمع ما فيه من أعمال في قلبك ، وأن نجعلك تقرؤه في تدبر وإمعان ، فإذا قرأته فاتجه الاتجاه الذي يهديك إليه ، وإن علينا بيان هذا الاتجاه وإرشادك إليه إما إلى الجنة ، وإما إلى السعير . وبذلك يتضح أن لا خروج في الآيات على نظم السورة وهدفها . ذلك هو ما أراه في ترتيب آيات القرآن الكريم وشدة ما بينها من ارتباط ، وكان بعض العلماء يشعر بشدة صلة آي القرآن بعضها ببعض ، حتى يكون كالكلمة الواحدة ، ومن هؤلاء ابن العربي « 2 » . وممن عنى بدراسة التناسب بين الآيات أبو بكر النيسابوري « وكان غزير العلم في الشريعة والأدب ، وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه : لم جعلت هذه الآية إلى جانب هذه ، وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة ؟ وممن أكثر منه فخر الدين ، قال في تفسيره : أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط » « 3 » . لا أوافق إذا عز الدين بن عبد السلام عندما قال : « المناسبة علم حسن ، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث ، فضلا عن أحسنه ، فإن القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض » « 4 » . ولا أوافق أبا العلاء بن غانم في قوله : « إن القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم وأن ليس في القرآن شئ من حسن التخلص » « 5 » . لا أوافقهما وحجتي في ذلك أمران : أما أولهما فما نراه من حسن التناسب وقوة الارتباط حقا بين الآي بعضها وبعض ، محققة بذلك هدف القرآن كما تحدثنا ، ولعل عز الدين ومن لف لفه كان يرى التناسب يتم إذا جمعت آيات الأحكام مثلا
هامش
( 1 ) الإتقان ج 2 ص 108 . ( 2 ) الإتقان ج 2 ص 108 . ( 3 ) المرجع نفسه . ( 4 ) المرجع السابق نفسه . ( 5 ) المرجع السابق ص 109 .