وعلى الرغم من إنكار الدكتور طه حسين في كتابه « الأدب الجاهلي » قصة استدلال ابن عباس على الكلمات القرآنية الغربية بالشعر العربي ، فإننا لا نوافقه على هذا الإنكار ، لأن الدكتور يعتمد على إنكاره هذا بأن هذه القصة قد وضعت في تكلف وتصنع لتثبت أن ألفاظ القرآن الكريم كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب ، أو هذه القصة مدسوسة عليه فقد كان له مولى وهو « عكرمة » يدس عليه كثيرا من الأخبار « 1 » .
والواقع أنه لا داعى لهذه الاحتمالات أو هذه الافتراضات فعبد اللّه بن عباس يعلم أن الشعر ديوان العرب ، وهو المصدر الوحيد الذي يلجأ إليه في تفسير هذا الغريب ولعله كان متأسيا في منهجه هذا بما رواه : « أن رجلا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : أي علم القرآن أفضل ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم عربيته فالتمسوها في الشعر » « 2 » .
هذا فضلا عن ابن عباس رضى اللّه عنه تميز عن بعض أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بميزة التأويل ، وهي ميزة لا تتأتى بالممارسة ، أو تكتسب بالتجربة ولكنها إلهام من السماء يتفتح له العقل ، فيعي ، ويحفظ ما وعاه ، ويتفتح له القلب فيدرك من الأسرار ما لا يدرك غيره ، وكان كذلك ابن عباس ، لأن النبي عليه السلام دعا له ، فقال : « اللهم علمه التأويل » « 3 » .
ومن حق القارئ بعد هذا الذي قدمت أن يقول : وما دليلك على أن القرآن الكريم اشتمل على لغات أو لهجات غير اللهجة القرشية ؟ فأقول له إن المحققين من العلماء بينوا لنا كثيرا من هذه اللهجات ، وقد ألف في ذلك إسماعيل بن عمرو المقرئ كتابه « اللغات في القرآن » وإني اكتفى بذكر طائفة منها في سورة واحدة هي سورة البقرة ، لتكون دليلا على ما أقول .
من سورة البقرة :
( رغدا ) آية 35 الخصب بلغة طىء .
هامش
( 1 ) في الأدب الجاهلي ص 109 .
( 2 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 261 .
( 3 ) مفتاح السعادة ج 2 ص 415 .