قال - والقائل ثعلب : حدثني سلمة عن الفراء أنه سمع أعرابية تقول : « ألا في السوة أنتن : تريد ألا في السوءة فطرحت الهمزة ، فأخذ المبرد يأتي بالحجة تلو الحجة ، وبالدليل بعد الدليل ، وكان آخر ما قال : لا يترك كتاب اللّه ، واجماع العرب لقول أعرابية رعناء « 1 » ! » ، وفي هذه المحاجة دليل على منهج البصرين في اعتدادهم بالأعم الأغلب يجرى على ألسنة العرب ، ويتفشى لغتهم ، كما هي دليل على أخذ الكوفيين بالشواهد الفردية .
وللكوفيين في قياسهم على الشاذ سند من أشياخ البصريين ومتقدميهم ، حدث علي بن محمد بن سليمان الهاشمي عن أبيه قال : قلت لعيسى بن عمر - يوما خبرني عن هذا الذي وضعت أيدخل فيه كلام العرب كله ؟ فقال لا ، قال : قلت : فمن تكلم بخلافك واحتذى ما كانت العرب تتكلم به ، أتراه مخطئا ؟ قال : لا « 2 » .
* * * وقد كان نتيجة ذلك أن بدا نحو البصرين صار ما حازما يقل فيه التجويز على حين يكثر التجويز ظاهرا عند الكوفيين ، فيه كثير من الترخص والإباحة ، فيجوز عندهم أن يجمع العلم الذي في آخره تاء التأنيث إذا سميت به رجلا جمع المذكر السالم « 3 » ، كما يجوز تقديم خبر ما زال وأخواتها عليهن « 4 » ، ويجوز تقديم معمول خبر ما الحجازية على نفسها « 5 » ويتعجب من السواد والبياض « 6 » ويجوز العطف على موضع أن قبل تمام الخبر « 7 » وهكذا وهكذا . . . ويمتنع ذلك كله عند البصريين .
والكوفيون مع تجويزهم القليل يستحبون الكثير ، ولذلك كان الفراء يقول : « لست أستحب ذلك لقلته « 8 » » يشير إلى الجمع بين صيغة الأفعال والباء في قوله تعالى :
« يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ »
.
ويظهر أن الكوفيين أرادوا - وهم مؤدبو الخلفاء « 9 » وأولادهم أن ييسروا على هؤلاء في الدراسات النحوية بتصويب ما يجرى على ألسنتهم من التعبيرات التي تخضع لقاعدة طردها الكوفيون ، وقاسوا عليها ، فيسروا وأسجحوا ، واطرد عندهم
هامش
( 1 ) مجالس اللغويين والنحاة لوحه رقم 45 نسخه مصورة عن شهيد على باستانبول .
( 2 ) طبقات الزبيدي 41 .
( 3 ) الانصاف 1 / 26 .
( 4 ) الانصاف 1 / 99 .
( 5 ) الانصاف 1 / 111 .
( 6 ) المصدر السابق ص 95 .
( 7 ) الانصاف 1 / 119 .
( 8 ) معاني القرآن 19 .
( 9 ) كان الكسائي مؤدب الرشيد ، وكان الفراء مؤدبا للأمين والمأمون .