الحافر على ما فيه من بداهة وبدائية ، وما عند أبي الأسود من حدة ذهنية ؟ فالأصل أن أبا الأسود قام بهذا العمل ابتداء ، وابتدعه - بين المسلمين - ابتداعا ، ما لم بقم على غير ذلك دليل يعتمد عليه في التأويل والتعليل . . واللّه أعلم .
ومهما يكن من أمر فان أبا الأسود قد وضع علم النحو ، واستخلفه ابن عباس على البصرة « 1 » ، وظل بها يلقى تعاليمه إلى أن لقى ربه سنة ( 69 ه ) « 2 » وقد أخذ عنه عنبسة الفيل ونصر بن عاصم الليثي ( 89 ه ) ويحيى بن يعمر ( 128 ه ) هم رأس المدرسة البصرية في النحو ، وتتظاهر الروايات على أن أول كوفي وضع كتابا في النحو هو أبو جعفر الرواسي بعد نحو مائة عام من تأسيس المدرسة البصرية ، ولذلك عد الرواسي رأس المدرسة الكوفية ، ويتتابع تلاميذ كل من أبى الأسود الدؤلي - وأبى جعفر الرؤاسي ، على النحو الذي تذكره كتب الطبقات « 3 » .
وكان لكل مدرسة طابع خاص في تناول الدراسات النحوية ، مما كان سببا في اشتداد التنافس بين المدرستين ، ويرجع الخلاف بينهما إلى أن قواعد البصرين عامة يندرج تحتها معظم الشواهد العربية ، وقد أمكنهم ذلك باستقراء هذه الشواهد والأمثلة وأساليب العرب ، ثم أصدروا أحكامهم « 4 » على الأعم الأغلب ، وأما ما عدا ذلك من المسائل فأما أن يؤولوه حتى يوافق مذهبهم ، وإما ألا يعتدوا به فلا يقيسوا عليه بل يحكموا عليه بالشذوذ ، وهذه نزعة البصريين من قديم « 5 » .
أما الكوفيون فكانوا يعتدون بالشواهد الفردية ، وإن لم يرد غيرها في كلام العرب ويقيسون عليها ، فإذا سمعوا لفظا في شعر أو نادرا في كلام جعلوه بابا « 6 » ، ولو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شئ مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه « 7 » :
اجتمع ثعلب والمبرد في مجلس محمد بن عبد اللّه بن طاهر فسألهما عن قوله ( عز وجل ) :
« إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ
: كم فيه لغة ؟ » قال المبرد : « قلت » برآء على مثال كرماء وبراء على مثال كرام » ، فقال ثعلب « وبراء أيها الأمير : » فقال : « ما تقول يا محمد :
فقلت : - والقائل المبرد - « أيها الأمير : سله من أين ؟ » قال : « من أين قلت ! ؟ »
هامش
( 1 ) طبقات الزبيدي 17 .
( 2 ) نزهة الألباء ص 6 .
( 3 ) ضحى الإسلام 2 / 284 .
( 4 ) انظر الاقتراح ص 17 .
( 5 ) انظر طبقات الزبيدي 15 ، 44 .
( 6 ) الهمع 1 / 45 .
( 7 ) الاقتراح ص 84 .