رسم المصحف ومدى اعتماد ابن جنى عليه في الاحتجاج
وابن جنى يستشهد برسم المصحف ، ويعتمد عليه إذا أيد الرسم ما يذهب إليه ، وإذا كان رسم المصحف متفقا هو وسنن العربية ، ولا يخالف أصلا من أصولها ، وذلك ما رواه ابن مجاهد عن ابن عباس في مصحف ابن مسعود ، « وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا » « 1 » وفيه « والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم » « 2 » وفيه « والملائكة باسطو أيديهم يقولون أخرجوا » « 3 » قال أبو الفتح : « في هذا دليل على صحة ما يذهب إليه أصحابنا من أن القول مراد مقدر في نحو هذ - ه الأشياء ، وأنه ليس كما يذهب إليه الكوفيون من أن الكلام محمول على معناه دون أن يكون القول مقدرا معه ، وذلك كقول الشاعر :
رجلان من ضبة أخبرانا * أنا رأينا رجلا عريانا
فهو عندنا نحن على قالا ، وعلى قولهم : « لا إضمار قول هناك ؛ لكنه لما كان أخبرانا في معنى قالا لنا صار كأنه قال : « قالا لنا » فأما على إضمار قالا في الحقيقة فلا وقد رأيت إلى قراءة ابن مسعود كيف ظهر فيها ما يقدره من القول ، فصار قاطعا على أنه مراد فيما يجرى مجراه « 4 » .
ونراه هنا يخرج القراءة على ما يذهب إليه البصريون من تقدير القول في نحو هذه الآيات ، ويجعل دليله في تخريجه وتأييد مذهبه النحوي ما رواه ابن مجاهد في مصحف ابن مسعود .
كذلك استعان ابن جنى في الاحتجاج لقراءة « فلما تبينت الأنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين » « 5 » ، وأوّلها معتمدا على ما جاء في مصحف عبد اللّه « 6 » .
ثم نراه لا يلتفت إلى الدليل الذي استشهد به يحيى بن الحارث في قراءته ، « لنظر كيف تعلمون » بنون واحدة . قال ابن شعيب : فقلت له : « ما سمعت أحدا يقرؤها » قال يحيى : « هكذا رأيتها في الإمام مصحف عثمان . قال أبو الفتح : ظاهر هذا أنه أدغم نون ننظر في الظاء ، وهذا لا يعرف في اللغة ، ويشبه أن تكون مخفاة ، فظنها القراء مدغمة على عادتهم في تحصيل كثير من الاخفاء إلى أن يظنوه مدغما « 7 » .
هامش
( 1 ) س 1 آية 83 انظر المصاحف للسجستاني : 57 .
( 2 ) س 39 آية 3 انظرSURA XXXIX P . 81من مادة وتاريخ المصاحف :JEFERY.
( 3 ) س 6 آية 93 ص 41 من المصدر السابق .
( 4 ) 1 / 112 - 113 .
( 5 ) س سبأ آية 14 .
( 6 ) 2 / 235 وما بعدها .
( 7 ) 1 / 384 .