فهذا في المعنى كقوله : « إن التسليم والترك لا متشابهان ، ولا سواء » « 1 » .
* * * وبعد : فقد عقدت هذا البحث من ذلك الفصل للمسائل البلاغية عند ابن جنى ، وها نحن أولاء نرى كيف تناول من هذه المسائل على هدى من الحس النفسي ، والذوق الأدبي ، والطبع الانساني - وهو ما يدعو إليه المجد دون من الباحثين في هذا الزمان - في تحليل وبراعة ، وغوص على المعاني الدقيقة في يسر واسجاح .
ومن الانصاف أن أذكر أن أصول هذه المسائل كان بعضها من مبتكرات ابن جنى ، وبعضها الآخر أشار إلى أثر شيخه أبى على فيها ، لكنه صبغها بمنهجه في البحث والتعليل ، وطبعها بشخصيته في التناول والتعليل ، فجاءت من بعد دالة عليه ، مشيرة اليه .
وطريقة ابن جنى في الاحتجاج لبعض القراءات التي تتصل بمسائل بلاغية - لها دلالتها الكثيرة في أن النحويين القدماء لم يكونوا يعنون بالألفاظ فقط كما اتهمهم بذلك المناطقة « 2 » ، بل إلى جانب ذلك عنوا بالمعاني ، وقدروها حق قدرها ، ويكفى أن تقرأ كلمة ابن جنى في ذلك إذ يقول : « إن العرب قد تحمل على ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الاعراب لصحة المعنى » « 3 » ، وهذا القول شبيه بما قاله في الخصائص :
« فان أمكنك أن يكون تقدير الاعراب على سمت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه ، وان كان تقدير الاعراب مخالفا لتفسير المعنى تركت تفسير المعنى على ما هو عليه ، وصححت طريق تقدير الإعراب » « 4 » .
وقد تناولت هنا مدى تأثر ابن جنى بأبى على في المسائل البلاغية ، وحديثه عن المعاني فيها ، ومن المهم أن أذكر أن هذا الأثر سار في امتداده حتى شيخ البلغاء :
« عبد القاهر الجرجاني » الذي يعده الباحثون صاحب « علم المعاني » وقد اعتمد في أغلبه على مسائل النحو ، وردد في غير دفعة من كتابه « دلائل الاعجاز » أن هذه التسمية أتته من معاني النحو .
أما كيف امتد هذا الأثر ، وكيف اتصل عبد القاهر الجرجاني بمدرسة أبى على
هامش
( 1 ) 1 / 17 - 20 .
( 2 ) راجع المقابسات لأبي حيان .
( 3 ) المحتسب 2 / 261 .
( 4 ) الخصائص 1 / 292 .