ابن جنى وسيبويه
ومما يتفق فيه مع شيخه أنه استعان بشواهد سيبويه في توثيق القراءات التي احتج لها في كتابه المحتسب ، وجاءت استعانته بهذه الشواهد دليلا على تفهم الكتاب وما يدل عليه شواهده ، ومقايسة هذه الشواهد بما ورد في القراءات من أوجه إعرابية ، واعتبار هذه بتلك ، وتفصيله الكلام في هذه الشواهد بما يعد شرحا لها وتعليقا عليها « 1 » .
اقرأ مثلا احتجاجه لقراءة « أفحكم الجاهلية يبغون » بالياء ورفع الميم « 2 » ، وقد خطأ هذه القراءة ابن مجاهد ، وأنكرها الأعرج جملة « 3 » .
وعلق ابن جنى على تخطئة ابن مجاهد بما مضمونه : هذه القراءة وجه ، غيره أقوى منه ، وهو جائز في الشعر قال أبو النجم :
قد أصبحت أم الخيار تدعى * على ذنبا ، كله لم أصنع
أي لم أصنعه ، فحذف الهاء ثم ، ولو نصب فقال كله لم ينكر الوزن ، فهذا يؤنسك بأنه ليس للضرورة مطلقة بل لأن له وجها من القياس ، وهو تشبيه عائد الخبر بعائد الحال أو الصفة ؛ وهو إلى الحال أقرب ؛ لأنه ضرب من الخبر ، فالصفة كقولهم : الناس رجلان : رجل أكرمت ، ورجل أهنت ، أي أكرمته وأهنته . والحال كقولهم : مررت بهند يضرب زيد ، أي يضربها زيد فحذف عائد الخبر ، وهو في الصفة أمثل لشبه الصفة بالصلة في نحو قولهم : « أكرمت الذي أهنت أي أهنته » « ومررت بالتي لقيت أي لقيتها » فغير بعيد أن يكون قوله :
« أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ »
يراد به يبغونه ثم يحذف الضمير ، وهذا وإن كانت فيه صنعة فإنه ليس بخطإ « 4 » .
واعتبر ما قاله ابن جنى هنا بما ذكره سيبويه في الكتاب - تر أن ابن جنى أضفى على عبارة سيبويه وضوحا ، وزادها بيانا ، وذيلها تعليقا ، وقايس ما أورد سيبويه بما قرأ يحيى ، وإبراهيم السلمى ،
« أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
« 5 »
،
واحتج لهذا الوجه من القراءة بما يدل على حضور الذهن ، وإفادة من الكتاب ، واتكاء عليه ، واعتداد به « 6 » .
ثم اقرأ النص الآتي تجد طرفا آخر لابن جنى في موقفه من سيبويه :
هامش
( 1 ) 1 / 253 .
( 2 ) انظر المصدر السابق .
( 3 ) المحتسب 1 / 253 .
( 4 ) 1 / 44 وما بعدها .
( 5 ) المحتسب 1 / 253 .
( 6 ) وانظر مثلا آخر لذلك في احتجاجه لرواية الحلواني عن قالون عن شيبة أو آوى إلى ركن شديد ( المحتسب 1 / 406 - 407 ) .