السلام : « نزل القرآن بسبعة أحرف كلها شاف كاف » ، فان قيل : لو كانت هذه الأحرف مقروّا بجميعها لكان النقل بذلك قد وصل إلينا ، قيل أولا يكفيك أنس موصلا إلينا ؟ فان قيل أن أنسا لم يحكها قراءة ، وإنما جمع بينها في المعنى ، واعتل في جواز القراءة بذلك لا بأنه رواها قراءة متقدمة .
قيل : قد سبق من ذكر حسن الظن به ما هو جواب عن هذا
وبعد أن ساق نحوا من ذلك في كلام العرب شعرائهم ومنشديهم ، قال : « وهذا لعمري سائغ ؛ لأنه شعر ، وتحريفه جائز ؛ لأنه ليس دينا ولا عملا مسنونا » « 1 » ا ه .
أرأيت كيف بلغ به حسن الظن بالرواة حتى أنه لم يجد جوابا مقنعا - وقد قلب الأمور على أوجهها المختلفة - إلا أن يقول : بحسن الظن بأنس ! ؟
ثم أرأيت كيف لا يسلم بهذا التحريف في القرآن محسنا الظن ، ولا يسلم باختلاف الرواية في الشعر ، وتحريف الكلم فيه عن مواضعه ، لأنه ليس دينا ولا عملا مسنونا ؟ !
وبعد فها نحن أولاء نرى ابن جنى يتلمس الأسباب ، ويسلك سبيل الدفاع عن القراءات ، على حين رأينا من قبل أبا على وقد هاجم حمزة في جره الأرحام من قوله تعالى :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ »
وحكم بأن هذا ضعيف في القياس وقليل في الاستعمال ، وما كان كذلك فترك الأخذ به أحسن « 2 » ، وبمثل ذلك هجم قراءة لابن عامر ، ووصفها بالقبح ، والقلة في الاستعمال ، ولو عدل عنها إلى غيرها كان أولى « 3 » .
وموقف أبى على يتفق مع خطته في تحكيم القياس والنظر ، والبعد عن التعليل بالأثر ، أما ابن جنى فإن موقفه يتفق مع خطته التي أعلنها في صدر كتابه « المحتسب » من الاعتداد بما سموه شاذا ، لأنه محفوف بالرواية من أمامه وورائه ، ومن هنا كان ابن جنى أرحب صدرا ، وأقرب إلى مذاهب القراء رحما ، إذ كان بموقفه هذا يقترب من أهل الأثر ، حيث يحسن الظن بالرواة من القراء على النحو الذي عرضته منذ قليل ( انظر حسن ظنه بابن عباس في قراءته « وأيقن أنه الفراق « 4 » » وحسن ظنه بأنس في قراءته « لولوا إليه وهم يجمزون « 5 » » ، ويوثق ما رووه بما يعرفه من أوجه القياس ، انظر المحتسب في توثيق ابن مجاهد ، وأبى بكر محمد بن مقسم ، واعتداده بما رواه ، ثم تعليل ذلك بالقياس « 6 » . وكذلك فعل في الاحتجاج لقراءة حمزة
« وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ »
وهي مردودة عند جمهرة البصريين « 7 » .
هامش
( 1 ) 1 / 370 .
( 2 ) الحجة 3 / 229 .
( 3 ) الحجة 4 / 109 .
( 4 ) 2 / 411 .
( 5 ) 1 / 270 .
( 6 ) 1 / 279 .
( 7 ) راجع كتاب الخصائص 1 / 294 .