قال لأمرين . أحدهما : طول الكلام ، فلما تباعد آخره من أوله أعيدت ، قال : لبعدها كما قد يجوز مع طول الكلام ما لا يجوز مع قصره . والآخر أنه انتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين ، فكان ذلك أخذا في كلام آخر ، فاستؤنف معه لفظ القول فجرى ذلك مجرى استئناف التصريح في القصيدة إذا خرج من معنى إلى معنى ، ولهذا ما يقول الشاعر في نحو ذلك :
ألا ناد في آثارهن الغوانيا * سقين سماما ! ! ما لهن وماليا ؟
كان التصريح مع الانتقال من حال إلى حال أخرى بالجواز ، فهذا أحد الوجهين « 1 » . . . .
وجاء في الاحتجاج لقراءة : « يا حسره على العباد » . . . مبينا أثر إطالة الصوت ، وعلى هذا قال سيبويه : إنهم يقولون سير عليه ليل يريدون ليل طويل ، وهذا إنما يفهم عنه بتطويل الياء فيقولون سير عليه ليل فقامت المدة مقام الصفة ، ومن ذلك ما تستعمله العرب من إشباع مدات التأسيس ، والردف ، والوصل ، والخروج عناية بالقافية ؛ إذ كانت للشعر نظاما ، وللبيت اختتاما « 2 » . . . » وانظر مهاجمة الفراء في تأويله قراءة أهل المدينة يخطف بسكون الخاء والطاء والتشديد فيجمع بين ساكنين « 3 » .
المنطق وظهوره عند ابن جنى في الاحتجاج
وهو ذو منطق خفيف يأتي به في التدليل سمحا سهلا ، لا يمعن فيه كما يمعن أستاذه أبو علي فيه ، ومن هنا لم يشق ابن جنى على القارئ ، ولم يعنف به كما لا يطيل ، فذكر الأوجه ، والتفريعات ، والاحتمالات قليلا ما يرد عند ابن جنى « 4 » . وإنك لتراه يأتي بالمقدمات التي تسلم إلى النتيجة في غير عسر ، كما تراه يقايس ، أو يقول بالأولى والأجدر في هوادة ولين ، وسأضرب أمثلة ثلاثة أعقب ، كل مثال بالإشارة إلى ما يدل على اعتماده على المنطق ، وإلى ما فيه من مسائله في الاحتجاج والتدليل .
المثال الأول :
أنكر ابن مجاهد رواية الحلواني عن قالون عن شيبة »
أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
« 5 » .
فدلل ابن جنى على أن ما أنكره ابن مجاهد سائغ جائز ؛ وهو أن تعطف آوى على قوة
هامش
( 1 ) 1 / 108 .
( 2 ) 2 / 261 .
( 3 ) 1 / 42 .
( 4 ) انظر مثلا ص 1 / 108 .
( 5 ) سورة هود آ 88 .