وفي فاطر بالخفض
« جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً
» « 1 » .
قال أبو عبيد : « لولا الكراهة لخلاف الناس لكان اتباع الخط أحب إلى ، فيكون في الحج بالنصب ، وفي فاخر بالخفض ، فإنه رسم بالألف في الحج خاصة دون فاخر « 2 » يقول ذلك أبو عبيدة ، ولكنه لم يقرأ به متبعا النقل لا الرسم .
فالنقل لا الرسم هو الذي يحتج به في هذه الكلمات التي تتصل برسم المصحف ، وإذا أردت تقويم آراء القدامى في مواقفهم المختلفة من الرسم أقول .
« أما سيبويه فقد كان على حق لأنه احتج بمصحف ابن مسعود « 3 » ، ومصحف أبى مثلا « 4 » . لأنه احتج بما هو جائز في العربية ، موثق بالأسانيد ، وإن خالف رسم المصحف الإمام ، ويكفى لتجويز إعراب ما أن تستشهد بما في مرسوم المصاحف التي كانت قبل المصحف الإمام ، إذ كانت كما قلت موثقة الأسناد ، لكن لا يقرأ بها لمخالفتها المصحف المجمع عليه .
ومسلك سيبويه يبدو طبعيا ؛ إذ كانت صفته الأولى والباقية على الدهر أنه نحوى ينظر إلى المصاحف على عمومها ، محتجا بما جاء في مرسومها ، غير مقيد بمصحف الإمام ما دامت المصاحف الأخرى كافية في الاحتجاج على المذاهب العربية في فنون الكلام .
وصحيح من الفراء ، والزجاج ، والطبري أن يرفض كل مخالفة لرسم المصحف فيما يتصل بنقص « 5 » أو تبديل « 6 » ما هو مرسوم بالمصحف الإمام ، فهذه المخالفة المردودة عند القراء بعد الاستقرار على الصحف الإمام ، أما القراءات التي يحتملها الرسم العثماني وكانت ترجع في أساسها الأول إلى النقل على النحو الذي فصلت في قول الزجاج بالأثر فلا داعى لإقحام الاحتجاج برسم المصحف فيها ، فالنص على ذلك أمر لا ضرورة له ، وأرجو أن ترجعوا إلى تفسير ذلكم في مكانه من هذا البحث « 7 » .
هامش
( 1 ) انظر عقيلة اتراب العقائد وشرحها تلخيص الفوائد : 44 ، 45 .
( 2 ) ابراز المعاني : 406 .
( 3 ) الكتاب : 1 / 258 .
( 4 ) الكتاب : 1 / 481 .
( 5 ) كقراءة فإذا لا يؤتوا الناس نقيرا .
( 6 ) كقراءة فإذا اطبأننتم ، كقراءة وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال .
( 7 ) وتوضيح ذلك - أني لا أرى إقحام الاحتجاج بالرسم مثلا - لقراءة من قرأ بالإمالة ذوات الياء من الأسماء والأفعال ، لأنها رسمت في المصحف بالياء . فالاحتجاج بالنقل وحده هو العمدة في ذلك عند أهل الأثر ، ومن هنا يجتمع في بعض الحروف من أسباب الإمالة .