ذات دلالة أخرى ؛ إذ تشير إلى قيام مدرسة بجانب مدرسة القراءات هي مدرسة النحو والنحاة ، وقد عملت هاتان الطائفتان جنبا إلى جنب ، بل كان رجال هذه منذ النشأة الأولى وفيما يشتهرون به - هم رجال تلك ، ولأن مرحلة التخصص العلمي لم تكن بعد ، فسعت هذه إلى أداء القرآن ، وتجويد متنه ، وأدائه ، وإقرائه ، وضبط تلقيه ، وتلقينه ، وترتيله ترتيلا ، وسعت الأخرى إلى إعرابه ، وضبطه ، وتفسير معجمه مستعينة بحفظ اللغة والرواية عن الإعراب ، وكلتا الطائفتين تجتمع على الخير من خدمة كتاب اللّه وفقهه تقربا إليه وزلفى ومن هنا كان اللحن بشعا ، وأشد ما يستبشع في كتاب اللّه . يروى أن الحجاج بن يوسف قال ليحيى بن يعمر : أتجدني ألحن ؟ فقال :
الأمير أفصح من ذلك ، فقال : عزمت عليك . أتجدني ألحن ؟ فقال يحيى : نعم ! فقال له : في أي شئ ؟ فقال : « في كتاب اللّه تعالى » . فقال : ذلك أشنع ففي أي شئ من كتاب اللّه تعالى ؟ قال : قرأت
« قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ ،
فرفعت أحب وهو منصوب ، فقال الحجاج . . . « لا تساكنى ببلد أنا فيه ونفاه إلى خراسان « 1 »
وحسبك أن تعلم في الصلة بين النحاة والقراء أن عليا أستاذ أبى الأسود في القراءات والنحو « 2 » وكان عبد الرحمن بن هرمز أحد القراء « 3 » ، ويحيى بن يعمر كذلك « 4 » ، وأن أبا عمرو وعبد اللّه بن أبي إسحاق الحضرمي رويا القراءة عن نصر ابن عاصم « 5 » ، وأن يونس بن حبيب يروى القراءة عرضا عن أبي عمرو بن العلاء ويأخذ العربية عنه « 6 » ، وكذلك كان سيبويه « 7 » ، وسيبويه قارئ يتعرض للقراءات « 8 » وكان ابن كثير المكي ( 120 ه ) « 9 » أحد القراء السبعة المشهورين يقرأ عليه عيسى ابن عمر ( 149 ه ) « 10 » والخليل بن أحمد ( 170 ه ) « 11 » ، وكل واحد من هذين إمام راسخ وحجة ثبت في اللغة والنحو ، وأبو جعفر الرواسي « 12 » ، وعلي بن حمزة الكسائي « 13 » ( 189 ه ) كل له قدم راسخة في العربية والقراءات ، وكان الكسائي
هامش
( 1 ) نزهة الألباء / 10 .
( 2 ) المصدر السابق / 9 .
( 3 ) الفهرست 59 .
( 4 ) طبقات الزبيدي / 23 .
( 5 ) طبقات القراء 2 / 336 - ونزهة الألباء / 103 .
( 6 ) طبقات القراء 2 / 406 .
( 7 ) طبقات القراء 1 / 289 .
( 8 ) الحجة نسخة البلدية 1 / 44 .
( 9 ) طبقات القراء 1 / 443 .
( 10 ) نزهة الألباء / 13 .
( 11 ) المصدر السابق / 29 .
( 12 ) بغية الوعاة / 33 .
( 13 ) طبقات القراء 1 / 535 .