ولهذا ، فإن علينا أن نلاحظ في خطوات هذا المنهج الذي جاء في القرآن الكريم ، أنّ الإشارات لتلك السنن والحقائق العلمية جاءت في نهاية هذه الخطوات ، كأمثلة ، ونماذج تطبيقية ، ولسوف تفضي إليها أو لما شاء اللّه تعالى منها - يوما بعد يوم - التجربة والعمل الإنساني ، ولم يرد لها أن تكون بديلا عنه ، أو أن تحل محله ! ولهذا فإن بعض الصحابة الذين سألوا عن بعض هذه الظواهر ؛ أجيبوا عن ( وظيفتها ) لا عن طبيعتها أو آليتها أو كيفية عملها ! لأن الشريعة ربطت بهذه الوظيفة ، أو أناطت بها بعض الأعمال والتكاليف الشرعية ، في سياق كون القرآن كتاب هداية وتشريع كما قلنا قبل قليل ، وتأكيدا على أن معرفة هذه الطبيعة أو اكتشافها إنما هو من عمل التجربة والعقل الإنساني في سائر العصور ! جاء في كتب التفسير أن قوما من المسلمين سألوا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن الهلال ، و « ما سبب محاقه وكماله ومخالفته لحال الشمس » كما روي ذلك عن ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم ، وعن أبي العالية قال : « بلغنا أنهم قالوا : يا رسول اللّه لم خلقت الأهلة ؟ » فأنزل اللّه تعالى :
* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 189 ) « 1 » [ سورة البقرة ، الآية 189 ] .
أما سبب محاق القمر وكماله ومخالفته لحال الشمس ، فإن الوقوف عليه من عمل الإنسان في مختلف العصور ! وربما كان هذا هو السبب - فيما نلاحظ - في هذا الاقتران في الآية الكريمة بين الإجابة عن « وظيفة » الأهلّة ، لا عن قانونها وطبيعة عملها ، والأمر بأن يأتوا البيوت من أبوابها لا من ظهورها ، أي إنهم بسؤالهم ذلك لم يأتوا البيوت من أبوابها . . . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن عطية 2 / 134 وتفسير القرطبي 2 / 341 وتفسير ابن كثير 1 / 225 . وانظر في ابن عطية تعليقا للمحقق يحتاج إلى مراجعة وتدقيق .