تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
« بيانية » للإشارة إلى أن هذه الرسالة هي رسالة الإنسان . . . حيث كان الإنسان ، وفي أي زمان وجد ! . . . « بل جعل دليل هذه المعجزة « الناطقة » شيئا زائدا في هذا البيان ، بلغ حد التحدّي أن يأتي أحد بسورة منه ، فلم يستطع ذلك أحد ، ولن يستطيع ذلك أحد ، إشارة أيضا إلى فضيلة « البيان » التي قد يتفاضل بها « الناطقون » على قدر تفاوتهم في رقة المشاعر ، ورهافة الحس ، وحساسية الوجدان . . . ما دامت هذه الرسالة الإنسانية ستخاطب في الإنسان جميع ملكاته وإحساساته ومشاعره . . . « ولعل في ابتداء نزول القرآن الكريم بقوله تعالى ( اقرأ ) ما يشير إلى هذه « الطبيعة الإنسانية » لآخر رسالات اللّه تعالى إلى الإنسان :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) [ سورة العلق ، الآيات 1 - 5 ] . بل لعل في تخصيص الإنسان بالبيان في قوله تعالى :
الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ
( 4 ) [ سورة الرحمن ، الآيات 1 - 4 ] ؛ ما يؤكد جميع هذه المعاني ، ويوحي بها كذلك ؛ فبالبيان يمتاز الإنسان من سائر المخلوقات . . وبميزة البيان تمتاز رسالة الإسلام ، وإن شئت قلت : رسالة الإنسان من سائر الرسالات . ولم يكن البيان - بمعناه الأدق من « المنطق » كما توحي بذلك بعض الآيات القرآنية الأخرى - وقفا على لغة من اللغات ، أو أمة من الأمم . . . ولكن اختيار لغة العرب لينزل بها القرآن . . وليحمل بها إلى العالم رسالة الإنسان ، يشير إلى فضيلة بيانية جامعة امتاز بها اللسان العربي على كل لسان . ولأمر ما أسلم من أسلم من العرب بهذا البيان المعجز ، وقال فيه من فصحاء العرب المشركين ما قال . . . ولأمر ما يخشع أمام تلاوته من غير المسلمين والعرب من لم يسمع حرفا واحدا من لغة العرب في غابر الأزمان » « 1 » .
هامش
( 1 ) البيان النبوي للمؤلف ص 20 - 21 . مكتبة دار الفتح بدمشق 1393 ه .