تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في علوم القرآن — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١

3 - موافقة العربية :

كانت القراءات القرآنية موجودة قبل تدوين قواعد اللغة وظهور كتب النحو في القرن الثاني الهجري ، فالقراءات ترجع إلى عصر النبوة حين تلقى الصحابة القرآن من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكانت شروط القراءة الصحيحة تقتصر على أن تكون مروية وموافقة لخط المصحف ، ولكن بعد أن استقرت قواعد النحاة أضاف بعض العلماء شرطا ثالثا للقراءة الصحيحة ، وهو أن تكون موافقة للعربية ، ولا شك في أن هذا الشرط متحقق في القراءات القرآنية لكن عددا محدودا جدا من الكلمات التي قرأها بعض القراء قراءة لا توافق القواعد اللغوية العامة ، وعدّها بعض النحاة شاذة مخالفة لقياس العربية . والذي أجمع عليه علماء القراءة وعلماء العربية هو أن القراءة لا تجوز بالقياس ولا بالاجتهاد ، ولا بد فيها من صحة النقل أولا وموافقة خط المصحف ثانيا ، لكن النحاة اشترطوا أن تكون القراءة موافقة للكثير من كلام العرب ، ولا يكتفون بصحة الرواية ، ومن ثم وصفوا بعض القراءات بالضعف أو الشذوذ ، وهو موقف لا يرتضيه علماء القراءة ، لأن القواعد التي وضعها النحاة جاءت لاحقة ، ووضعت لغرض تعليمي يستند إلى الظواهر المطردة ولا يعنى كثيرا بالظواهر المنفردة ، والقراءات مهما كان موقف النحويين منها فإنها أكثر تعبيرا عن واقع العربية في فترة ظهور الإسلام ، من حيث الأصوات والمفردات والتراكيب . وقد قال الداني كلمة موجزة تعبر عن موقف القراء من هذه القضية ، وهي قوله : « وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية ، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل ، والرواية إذا ثبتت لا يردّها قياس عربية ولا فشوّ لغة ، لأن القراءة سنّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها » « 1 » .
هامش
( 1 ) جامع البيان ورقة 171 و .